
في سابقة من نوعها، اختار مجلس جهة درعة تافيلالت هذه السنة أن يخلد اليوم العالمي للمرأة… بالصمت. لا ذهب، لا هدايا، لا كلمات منمقة، ولا حتى كؤوس عصير برتقال يتيمة تائهة بين الكراسي، فقط فراغ يليق بحالة “انعدام الثقة” التي يبدو أنها أصبحت السياسة الرسمية غير المعلنة داخل أروقة المجلس.
وإذا كان الاحتفاء بالمرأة قد تحول إلى تقليد راسخ في مختلف جهات المملكة، حيث دأبت المجالس الجهوية الإحدى عشر الأخرى إلى تنظيم حفلات وتكريم موظفاتها وعضواتها، فإن جهة درعة تافيلالت اختارت أن تتميز… بالاستثناء. استثناء لا يحمل طابع الابتكار بقدر ما يعكس عزلة لافتة عن محيط وطني احتفى، وصفق، ووزع الورود – وربما أكثر – في مناسبة عالمية لا تقبل عادة التأجيل أو الإلغاء المزاجي.
مصادر مطلعة، تؤكد أن هذا التحول الجذري لا علاقة له بالتقشف أو إعادة ترتيب الأولويات، بل هو ثمرة ناضجة لحالة شك عميقة يعيشها الرئيس، الذي قرر، في لحظة صفاء ذهني استثنائي، أن لا أحد يستحق الاحتفال أصلا، لا الموظفات، ولا حتى العضوات اللواتي اعتدن في مثل هذه المناسبة على نصيبهن من “التقدير الملموس” على شكل ذهب يلمع أكثر من الكلمات.
الرئيس، حسب نفس المصادر، دخل في مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ”التقشف العاطفي والإداري”، حيث أصبح ينظر إلى طاقمه وكأنهم مجرد أرقام زائدة في جدول المصاريف، أو كما يقال في لغة أكثر وضوحا: “خماسة” لا يستحقون حتى الأجرة التي يتوصلون بها. وهو تقييم جريء، إن لم نقل فلسفي، يعيد تعريف العلاقة بين المسؤول والموظف على أسس من الريبة والإحباط.
أما عن عضوات الجهة، اللواتي فقد كن جزءا لا يتجزأ من طقوس الاحتفاء السنوي، فقد وجدن أنفسهن هذه السنة أمام تجربة جديدة؛ في الاستثناء في الاحتفال وطنيا، فالمثير في الأمر أن هذا “اللاحدث” يكشف أكثر مما يخفي. فهو لا يعكس فقط مزاج رئيس قرر الانسحاب نفسيا من محيطه، بل يسلط الضوء أيضا على فجوة متنامية بين جيلين: جيل يعتبر الاحتفال صَدَقَةً، وجيل جديد من الموظفين يبدو أنه أربك الحسابات القديمة، وفرض واقعا لم يعد يفهم بنفس الأدوات الذهنية التقليدية.
وبين هذا وذاك؛ تبقى المرأة في الجهة، موظفة كانت أو عضوة، الخاسر الأكبر في معادلة يغيب عنها المنطق أحيانا، ويحضر فيها المزاج الشخصي بقوة، والحالة النفسية المتردية، إذ تحولت مناسبة عالمية يفترض أن تكون لحظة اعتراف وتقدير، إلى مرآة تعكس ضيق الأفق وسوء الفهم، وربما أيضا عجزا عن مواكبة زمن يتغير بسرعة أكبر من قدرة البعض على استيعابه.