
قال الدكتور مشكوري متيوي محمد، أستاذ بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، في تصريح خص به جريدة “الجهة الثامنة”، على هامش أشغال الدورة الخامسة عشرة من برنامج “الجامعة في السجون” التي نُظمت مؤخرا بالسجن المحلي بالرشيدية، إن مشاركته في هذا الفضاء العلمي تأتي في سياق نقاش أسئلة جوهرية تتعلق بمعنى العدالة ووظيفة العقاب، مبرزًا أن موضوع العقوبات البديلة يكتسي راهنية خاصة باعتباره تعبيرا عن تحول نوعي في السياسة الجنائية من منطق الزجر إلى منطق الإصلاح وإعادة الإدماج.
وأضاف المتحدث ذاته أن الرهان في السياسة الجنائية المعاصرة لم يعد يقتصر على معاقبة الجاني، بل يمتد إلى إعادة إدماجه داخل المجتمع، معتبرًا أن هذا الورش القانوني يشكل مجالًا خصبًا للاجتهاد والتفكير الجماعي، معربًا عن أمله في أن يشكل هذا اللقاء لحظة علمية متميزة تسهم في إغناء النقاش وتعزيز سبل تنزيل هذا المستجد التشريعي.
وأوضح الدكتور مشكوري أن مقاربته لهذا الموضوع لن تكون تقنية محضة أو تحليلًا تفصيليًا لمقتضيات قانون العقوبات البديلة، تفاديًا لإثقال النقاش بتفاصيل قانونية دقيقة، خاصة أن هذا القانون حديث العهد ولم تتبلور بعد بشأنه ممارسة قضائية مستقرة، مشيرًا إلى أن تطبيقه العملي لا يزال يطرح عددًا من التساؤلات والإشكالات حتى بين الفاعلين في الحقل القانوني من قضاة ومحامين.
وفي السياق ذاته، أشار المتحدث إلى أن الممارسة القضائية المقبلة ستظل وحدها الكفيلة بكشف مختلف تحديات تنزيل هذا الورش داخل المحاكم، مؤكدًا أنه سيقارب الموضوع من زاوية تحليلية تقوم على تقييم القانون في ضوء مبادئ السياسة الجنائية المعاصرة، من خلال سؤالين محوريين: مدى احترام المشرع لهذه المبادئ، ومدى إلزام القضاء بها باعتبارها إطارًا موجهًا.
وأكد الدكتور مشكوري، قبل الإجابة عن هذين السؤالين، أن السياسة الجنائية ليست مفهومًا بسيطًا، بل هي بناء مركب تتداخل فيه الأبعاد القانونية والفلسفية والاجتماعية، وترتكز على مرجعيات دولية مرتبطة بمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، موضحًا أن من بين أبرز هذه المبادئ مبدأ ترجيح الحرية عند التجريم والعقاب، باعتبار أن الأصل هو الإباحة وأن التجريم يظل استثناءً مبررًا بالضرورة الاجتماعية.
وقال المتحدث نفسه إن قانون العقوبات البديلة يُعد تجسيدًا لاتجاه حديث يروم الحد من العقوبات السالبة للحرية، التي رغم أهميتها في بعض الحالات، فإنها قد تفرز آثارًا سلبية على الفرد والمجتمع وتعيق إعادة الإدماج، مضيفًا أن هذا القانون يفتح المجال أمام بدائل إصلاحية أكثر مرونة، غير أن هذا الانسجام مع مبدأ الحرية يظل جزئيًا لأنه لا يشمل مستوى التجريم الذي ما يزال يعرف تضخمًا تشريعيًا.
وأضاف الدكتور أن مبدأ المساواة يُعد من أهم المبادئ المؤطرة للسياسة الجنائية، موضحًا أنه يقوم على المساواة أمام القانون وأمام القضاء، حيث يبدو أن قانون العقوبات البديلة يحقق المساواة من حيث الصياغة القانونية، لكنه يطرح إشكالات على مستوى التطبيق العملي، خصوصًا فيما يتعلق بالغرامة اليومية التي تختلف آثارها باختلاف الوضعية الاجتماعية والمالية للمحكوم عليهم.
وأوضح أن هذا التفاوت قد يجعل العقوبة غير متكافئة في أثرها الواقعي، مشيرًا إلى أن اشتراط جبر الضرر أو التعويض قد يعمّق هذا الإشكال، لأن القدرة على الأداء تبقى مرتبطة بالإمكانات الاقتصادية، مما قد يحول المساواة من مبدأ فعلي إلى مساواة شكلية في بعض الحالات.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن التحديات لا تقتصر على الجانب القانوني، بل تمتد إلى المستوى اللوجيستيكي، خاصة فيما يتعلق بالمراقبة الإلكترونية التي تتطلب بنية تقنية متطورة، مؤكدًا أن ضعف هذه البنية أو تفاوتها بين المناطق قد يؤدي إلى اختلال في العدالة المجالية، ويؤثر على تكافؤ فرص الاستفادة من العقوبات البديلة.
واختتم هذا المحور بالتأكيد على أن نجاح هذا القانون لا يرتبط فقط بجودة نصوصه، بل بمدى توفر الشروط الواقعية لتطبيقه بشكل عادل وفعال.
وفي ما يتعلق بمبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، أضاف الدكتور مشكوري أن هذا المبدأ يُعد ركيزة أساسية في السياسة الجنائية الحديثة، ويقتضي أن تكون العقوبة متناسبة مع خطورة الفعل، مع احترام كرامة الإنسان، مشيرًا إلى أن المشرع المغربي وسّع من نطاق العقوبات البديلة ليشمل بعض الجنح التي قد تصل إلى خمس سنوات، وهو ما أثار نقاشًا حول مدى احترام هذا التوسع لمبدأ التناسب.
وأوضح أن هذا التوجه، رغم مبرراته المرتبطة بالاكتظاظ السجني، قد يطرح إشكالات في بعض الجرائم التي تمس أمن الأفراد والمجتمع، غير أن التطبيق القضائي يميل في الغالب إلى حصر هذه العقوبات في الجرائم البسيطة التي لا تتجاوز سنتين، في محاولة لضبط التوازن بين الإصلاح والزجر.
وأشار أيضًا إلى مبدأ تفريد العقاب، موضحًا أنه يقوم على مراعاة شخصية الجاني وظروفه الاجتماعية والنفسية، وهو ما يمنح القاضي سلطة تقديرية مهمة في اختيار العقوبة المناسبة، سواء كانت سالبة للحرية أو بديلة عنها، مع ضرورة عدم الإخلال بالأمن القانوني.
وأكد أن هذه السلطة التقديرية، رغم أهميتها، يجب أن تُضبط بمعايير واضحة لتفادي التفاوت في الأحكام وضمان المساواة بين المتقاضين.
وفي ما يخص علاقة القضاء بالسياسة الجنائية، أوضح الدكتور مشكوري أن هذه السياسة تتفرع إلى ثلاث مستويات: تشريعية، وتنفيذية، وتدبيرية، مشيرًا إلى أن القاضي لا يخضع للتوجيهات التنفيذية أو التدبيرية، بل يلتزم أساسًا بالقانون في إطار استقلاله القضائي.
وقال إن القاضي ملزم بتطبيق السياسة الجنائية التشريعية فقط، وفق ما ينص عليه الدستور، خاصة الفصل 117، مع الاسترشاد بالمبادئ العامة للعدالة، موضحًا أن هذا الالتزام يضمن تحقيق التوازن بين العدالة الفردية والأمن القانوني.
واختتم الدكتور مشكوري تصريحه بالتأكيد على أن العقوبات البديلة تمثل تحولًا مهمًا في الفلسفة العقابية الحديثة، غير أن نجاحها يظل رهينًا بقدرة المنظومة القانونية والمؤسساتية على تنزيلها بشكل متوازن، يحقق الإصلاح دون الإخلال بمبادئ العدالة والمساواة والتناسب.