
قدم الأستاذ عبد الرحيم دحاوي،خلال استضافته في الحلقة الثانية لبرنامج “السرعة الثانية”، الذي يعده ويقدمه الاستاذ عبد الكريم الزهيدي، تشريحا دقيقا لواقع التعليم بجهة درعة تافيلالت، واصفا إياه بـ “الاغتراب العلمي القسري” الذي يعيشه آلاف الطلبة المشتتين بين الجامعات الوطنية.
و انطلق دحاوي من رؤية نقدية تعتبر أن استقلال الجهة عن الجامعات خارجها، ليس مجرد ترف أو “لافتة تعلق على بناية”، بل هو مطلب سيادي وجهوي لاستعادة الكرامة المهدورة، معتبرا أن غياب هذا الصرح العلمي يعكس فشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق “الإنصاف المجالي” وتنزيل روح الدستور.
ولم يتوانَ الضيف عن توجيه نقد لاذع للنخب السياسية المحلية التي جعلت من ملف الجامعة “ورقة رابحة” في المواسم الانتخابية للظفر بالمقاعد، بينما تظل المبادرات الحقيقية حبيسة الوعود، مشددا على أن “السياسة موازين قوى”، وأن صمت الهيئات الجهوية أمام استمرار تبعية أقاليم الجهة لجامعات أخرى يجعلها عرضة للتهميش في أي تقطيع ترابي مستقبلي.
وفي سياق ربط التكوين بالتنمية، طرح دحاوي تساؤلات حارقة حول جدوى فتح مسالك جامعية “تساهم في إنتاج العطالة” بدلا من إحداث معاهد تقنية وهندسية تتماشى مع المؤهلات الحقيقية للجهة في قطاعات المعادن، والطاقة الشمسية، والسينما، محذرا في الوقت ذاته من طغيان النزعة التقنية على حساب “الأمن الروحي والهوياتي” الذي تضمنه العلوم الإنسانية. كما توقف بمرارة عند اختلالات “الدولة الاجتماعية” في تنزيل السجل الاجتماعي الموحد، حيث أكد أن “الشيطان يسكن في التفاصيل”، مشيراً إلى أن اعتماد معايير استهلاكية جافة لحرمان الطلبة الفقراء من المنح الجامعية هو ضرب في عمق العدالة الاجتماعية، وكشف عن حالات مأساوية لطلبة حُرموا من متابعة دراستهم بسبب “مؤشرات تقنية” لا تعكس واقعهم الاجتماعي المعقد.
واستعرض الأستاذ دحاوي، رؤية استراتيجية تدعو إلى ضرورة “توحيد المقررات والمحتوى التعليمي” بين القطاعين العام والخاص لإنهاء التمايز الطبقي الذي يولد شعورا بالحرمان لدى أبناء المدرسة العمومية، مؤكدا على دور “المثقف الملتزم” الذي لا ينبغي أن يكتفي بالشهادات الجامعية “التي لا أثر لها في الواقع”، بل عليه أن يمارس دوره في نقد السياسات العمومية وتنوير الناخبين.
وفي سياق تعميق التحليل السوسيولوجي لبنية النخب، يرى الأستاذ دحاوي، أن جهة درعة تافيلالت تعيش مخاضا حقيقيا يتجاوز مجرد الصراع على المكتسبات المادية، ليصل إلى ضرورة إعادة صياغة “التنخيب” المحلي بعيدا عن الانتماءات القبلية التقليدية أو “أعيان الانتخابات” الذين يقتاتون على المشاريع الوطنية. إن الرهان اليوم، حسب تعبيره، يكمن في بزوغ جيل جديد من النخب القادرة على الترافع بـ “كاريزما” وغيرة حقيقية، نخب لا تكتفي بالحلول الأنيّة بل تملك القدرة على استشراف التحولات الدستورية الكبرى التي قد تعصف بالتقطيع الجهوي الحالي إذا لم يثبت الفاعلون المحليون جدارتهم في توطين مؤسسات قوية، وعلى رأسها الجامعة، التي تمثل صمام الأمان الوحيد لضمان استمرارية الجهة ككيان سياسي وتنموي فاعل وقائم بذاته.
علاوة على ذلك، وضع الضيف الجمهور، أمام مسؤولية أخلاقية تجاه الأجيال الصاعدة، من خلال انتقاده اللاذع لسياسة “تسقيف السن” والولوج لمهن التربية، معتبرا أن هذه الإجراءات “خاطئة” وتصادر حق الشباب في الشغل بناء على معايير تقنية لا تعكس الكفاءة الحقيقية، ويذهب أبعد من ذلك ليؤكد أن إصلاح منظومة التربية والتكوين بالجهة لا يمر عبر “الوضعيات المصطنعة” أو إقحام “الدارجة” في المقررات بدعوى ربط المدرسة بالمحيط، بل عبر تقديم لغة سليمة ومعرفة حقيقية تنقل المتعلم من حيز “تلقي المعلومة” إلى فضاء “إنتاج المعرفة”، وهو ما يتطلب أستاذا يتمتع بوضعية اجتماعية اعتبارية وليس مجرد “روبوت” ينفذ إملاءات تقنية جافة تفتقر للحس الإنساني والتربوي.
وفي الختام، يتبدى من خلال هذا التحليل أن معركة التعليم في درعة تافيلالت هي في جوهرها معركة ضد “التهميش الممنهج” وضد سياسة “الترقيع” التي طبعت تدبير الشأن العام لعقود.
إن الرسالة التي وجهها الأستاذ دحاوي، هي بمثابة “نداء استغاثة” ومرافعة أخيرة للقوى الحية بالجهة، من أجل الالتفاف حول مشروع مجتمعي متكامل يقطع مع “الصدقة التعليمية” وينتقل نحو “الاستحقاق الوطني”. فالجهة، بمقدراتها الطبيعية وطاقاتها البشرية الهائلة، لم تعد تقبل بأن تظل مجرد “ملحق” إداري أو علمي بجهات أخرى، بل هي اليوم تطالب بإنصاف تاريخي يعيد الاعتبار للإنسان في هذه الربوع، ويجعل من الجامعة قاطرة حقيقية للتنمية، لا مجرد واجهة لتجميل سياسات أثبت الواقع فشلها في تحقيق العدالة المجالية المنشودة.