
الصحراء الشرقية : التاريخ و الجغرافيا والسياسة .
بعد استعمار توات بسنة واحدة أبرمت فرنسا الكولونيالية، اتفاقيات باريس مع الأمبراطورية المغربية، بتاريخ 20 يوليوز 1901 بباريس و في 20 أبريل 1902 بالجزائر، تحت اشراف وزير الخارجية الفرسي أنذاك تيوفيل دولكاسي، و المفوض المغربي سيدي عبد الكريم بنسليمان في عهد السلطان مولاي عبد العزيز .
و كان الهدف المعلن هو تنظيم التعاون على الحدود و تسوية وضع القبائل الصحراية .
و همت المادة الخامسة من هذه الاتفاقيات توصيفا دقيقا للسكان المستقرين بمنطقة بشار التي ستخضع للاحتلال في سنة 1903، أي أن فرنسا حددت مع المغرب الوضع الذي يجب أن تكون عليه وضعية كل الساكنة قبل احتلال ترابها بسنة أو سنتين .
فقسمتهم إلى ثلاثة أنواع :
1 – قبيلتا ذوي منيع و أولاد جرير .
2 – الجزء الموجود تحت الخيمة من غير ذوي منيع و أولاد جرير .
3- سكان القصور في هذا التراب .
و نصت اتفاقيات باريس على حق من يقيم تحت الخيمة، و سكان القصور، في اختيار الجنسية التي يريدون، مع حقهم في البقاء في خيامهم أو داخل مساكنهم، الموجودة فوق هذا التراب، أي أن البعض منهم بقي مغربيا مقيما فوق تراب محتل، فكان لسكان بشار وضع شبه دولي غير متكافيء نسبيا، إذ ظلت فرنسا تسيطر على تراب يخضع جزء من ساكنته لسلطة المغرب، و قوانينه و طرائقه في تدبير الشأن العام .
أما ذوي منيع و أولاد جرير، فالوضع معهم يختلف، و لا حق لأي منهم في الاقامة فوق تراب منطقة بشار، إذا اختار السلطة المغربية، فكانت معهم المقايضة قاسية : أرضك و ممتلكاتك و حقك في الاقامة فوق تراب أجدادك، مقابل أن تخضع لفرنسا و تقبل بسيادتها و سلطتها عليك، فحدث أن رضخ البعض و رفض البعض الآخر، فرحل من أرضه و كانت بداية تاريخ تشتيت أسر ذوي منيع و أولاد جرير بين المغرب و فرنسا في الجزائر، و مازال إلى اليوم بين المغرب و الجزائر بعد الاستقلال، و في ظروف أشد وطأة و أكثر خرقا للمواثيق الدولية لحقوق الانسان .
و عليه فإن فرنسا عددت جنسيات المقيمين على أرض جهة بشار، منذ احتلالها في سنة 1903 و إلى غاية الخروج منها في سنة 1962، فكان بعضهم مغربيا و البعض الآخر جزائريا في ظل الحكم الفرنسي للبلاد، و في المقابل شتت أسر و أفراد قبيلتي ذوي منيع و أولاد جرير بين ترابهم و تراب المغرب، فاحتضن اقليم الرشيدية أساسا، و فجيج بنسبة أقل النازحين منهم، فصاروا و منذئذ مغاربة مطرودين من ترابهم و نازحين فوق تراب عينته لهم السلطات المغربية وفق ما نصت عليه اتفاقيات باريس، فترتب عن ذلك أن صار لازدواجية جنسية سكان بشار وجهين : مغربي مقيم و مغربي نازح، و بعد الاستقلال سيتحول المغربي المقيم إلى جزائري، و المغربي النازح سيظل مبعدا عن أرضه و محروما من ممتلكاته التي خولت له اتفاقيات باريس حق التصرف فيها .
إن الخروقات الفرنسية في عهد الاستعمار تمثلت في تشتيت شمل أسر قبيلتين بين المغرب و الجزائر، و حرمان جزء منهما قسرا من ممتلكاتهم، و بعد الاستعمار، و لما فوتت الصحراء الشرقية للجزائر، سيترتب عن ذلك انهاء مغربية من سمحت له اتفاقيات باريس، بالحفاظ على جنسيته المغربية، و حقه في أن يقيم فوق تراب أجداده، فصار بعد الاستقلال جزائريا، و كان قبله مغربيا، كما حرم من نقل إلى داخل التراب المغربي من ممتلكاته و حقوقه الانسانية الأساسية و في طليعتها حقه في التجمع العائلي .
المثير في الأمر أن اتفاقية ” الأخوة و حسن الجوار ” المعروفة باسم ” معاهدة إفران ” التي أبرمت بين المغرب و الجزائر في سنة 1972 تحيل ديباجتها على كل الاتفاقيات المبرمة بين فرنسا و المغرب في عهد استعمار الجزائر، كمعاهدة للامغنية و اتفاقيات باريس، و رغم ذلك بقيت وضعية سكان منطقة بشار بلا حل، و جاءت بعض مقتضيات معاهدة افران مخالفة تماما لما التزمت به فرنسا و خضع له المغرب في الاتفاقيات المبرمة بينهما .
غادرت فرنسا و سلمت الأرض و السكان الذين كان لهم وضع خاص إلى الجزائر، و منذ انسحاب فرنسا في سنة 1962، و على الرغم من الحالة النشاز التي صار عليها الناس، لم تتطرق الأطراف الثلاثة : فرنسا و المغرب و الجزائر لهذه المخلفات التي مازال يعاني منها الأنسان المنتمي لهذه الربوع إلى اليوم .
