عمود الجهة8…”شرجم” الحلقة الثامنة : المغرب و ثنائية الأرض و الانسان في الصحراء الشرقية .

الانسان

بعد أن رفعت فرنسا السرية عن جزء صغير من أرشيفها الكولونيالي، وثقت الصحراء الشرقية قسطا هاما من ذاكرتها الجماعية في مجالات عدة و في مقدمتها مقاومة سكانها للغزو الفرنسي و مخططاته الجهنمية .
لم يكن عدد هام من سكان الصحراء الشرقية، و من الجنوب الشرقي المغربي، يعلمون شيئا عن السبب الحقيقي لتواجد عائلات كثيرة مشتتة بينها و بين المدن و القرى الحدودية المغربية، بل إن الجيل الثاني المزداد في التراب المغربي من سكان الصحراء الشرقية، و ذلك الذي ولد على ترابها على السواء، لا يعرفان شيئا عن جذور مآسيهما و أسباب تمزيق شمل أسرهما .
العائلات المنتمية إلى ذوي منيع و أولاد جرير و العمور و الشعانبة و الزوى و تجكانت و القنادسة و التي تنتشر بجهات مختلفة من المغرب لاسيما بإقليمي الرشيدية و فجيج، هي كلها تنحدر من الصحراء الشرقية، يشترك جيلها الثاني مع السكان في مسقط الرأس، أما رعيلها الأول فحارت سجلات الحالة المدنية في مكان ولادته، فاهتدت إلى الانتماء القبلي كمكان مفترض للازدياد .
و السؤال الذي يطرح نفسه في حالتهم : لماذا ترك بعض سكان الصحراء أرضهم و استقروا بالتراب المغربي ؟
ظلت الصحراء الشرقية تابعة للمغرب إلى حدود سنة 1900 إذ احتلت فرنسا منطقة توات، و دأب السلاطين على تعيين قواد و قضاة و نقباء عليها و جمع الضرائب من سكانها، و يزخر الأرشيف الكولونيالي بوثائق هامة في هذا المضمار .

 

 

و تجاوز الأمر ذلك إلى حد تقديم بعض ملوك المغرب لأوامرهم و تعليماتهم للقبائل لتنفيذ إجراءات معينة لاسيما في مجال الذود عن التراب، و تأديب الخارجين عن القانون في الصحراء الشرقية و في نواحي مكناس و بتافيلالت، و كانت قبائلها تاريخيا، لا سيما ذوي منيع من أكثرها وفاء لسلاطين و ملوك المغرب و تنفيذا لتعليماتهم، فذوي منيع و أولاد جرير لم يخضعوا لفرنسا، بل أرعبوها كثيرا كما ورد في الوثائق السابقة، لكن تعاملهم مع سلاطين المغرب اختلف كثيرا و تميز و يغري بالدراسة و البحث في هذا الموضوع .

 

و جوابا على ما سبق، فإن السبب الحقيقي الذي خلف هذا التشتت الأسري يعود لاتفاقيات باريس التي أبرمتها فرنسا مع الأمبراطورية المغربية في سنة 1901، و هي المسؤولة قانونيا و إداريا على كل الكوارث الانسانية التي خلفتها، و بتلك اللغة الفرنسية التي وردت بها تعكس المسؤولية التاريخية لفرنسا في هذا التمزق الذي مازال يعاني منه النسيج الاجتماعي لأسر الصحراء الشرقية .
وردت هذه الاتفاقيات في كتاب ” أربعة قرون من التاريخ المغربي ” لمؤلفه أ. ج. ب مارتان A.G.P Martin كما يلي :

Par l’article 5 :
La situation des habitants du territoire compris entre les lignes de postes des deux pays indiqées ci- dessus est reglée de la façon suivante :
Pour ce qui concerne les gens des tribus des Doui-Menia et des Oulad Djerir’ les deux gouvernements nommeront des commissaires qui se rendent auprès d’elles et leur laisseront le choix de celui des deux gouvernements sous l’autorité duquel ils seront placés, ceux qui choisissent l’autorité française seront maintenus dans leur résidence, et ceux qui choisissent l’autorité marocaine seront transportés de ce territoire á l’endroit que le gouvernement marocain leur assignera comme résidence dans son Empire
تبعا للمادة الخامسة ستسوى وضعية سكان التراب المتواجد بين خطوط مراكز الحراسة في البلدين المشار إليهما أعلاه على الطريقة التالية :

أما فيما يخص أهالي قبيلتي ذوي منيع و أولاد جرير، فالحكومتان ستعين مفوضين من قبلهما سيتوجهون إليهم و يتركون لهم حق الاختيار احدى الحكومتين التي يريدون أن يوضعوا تحت سلطتها، فالذين سيختارون السلطة الفرنسية سيحتفظ بهم في مقر اقامتهم؛ و الذين سيختارون السلطة المغربية سينقلون من هذا التراب إلى المكان الذي ستعينه لهم الحكومة المغربية كإقامة داخل امبراطوريتها .

و يلاحظ أن اتفاقيات باريس استعملت لفظة ” السلطة ” و تخير ذوي منيع و أولاد جرير الساكنة الأصلية بين سلطتين، أي بين إدارتين، و ليس بين جنسيتين، ففرنسا بهذا التمييز تكون قد انضبطت لمنطوق اتفاقية للامغنية التي وقع عليها السلطان مولاي عبد الرحمان، و ليس تلك التي وافق عليها الخائن حميدة بن علي السجعي .

و أكثر من ذلك، فالمادة الخامسة لما تتحدث عن ساكنة بشار، من غير ذوي منيع و أولاد جرير، و تفرض نصوصا و تخط بنودا تضع التراب في اطاره التاريخي الصحيح، فالذين يقيمون تحت الخيمة لهم الحق في البقاء على هذا التراب، و هم تحت السلطة المغربية، أي مغاربة، فكيف يعقل أن تحافظ مجموعة سكانية على مغربيتها و هي تحت نفوذ فرنسا ؟ فماذا يعني ذلك إن لم يكن يعني أن فرنسا تعترف، و في اتفاقية باريس بأن التراب المحتل هو مغربي، و لسكانه الحق في البقاء تحت السلطة المغربية، ففرنسا كانت تقر بأنها تدير ترابا جزء من سكانه مغاربة، فكيف يقبل أن تنسحب بدون إعادة الوضع لما كان عليه، و كيف يستسيغ رضوخ المغرب و الجزائر لإرث ثقيل على المستوى الانساني و الحقوقي، و تجاهله مطلقا و دون اعتبار للساكنة في البلدين .

Les gens fixés sur le territoire susdit et vivent sous la tente, autre que les Doui- Menia et oulad Djerir demeureront sous l’autorité de l’Empire marocain et y conserver leur residence
أما سكان القصور فيختارون هم كذلك سلطتهم، ويمكنهم في كل الحالات أن يواصلوا السكن في هذا التراب .
Les gens du ksour du territoire susdit auront le choix de l’autorité qui les administrera et pourront en tout cas, continuer a habiter sur leur territoire

اختار عدد هام من سكان القصور السلطة المغربية، و حرص من هو تحت الخيمة على البقاء تحت سلطة المغرب؛ و هم على تراب الصحراء الشرقية، أما ذوي منيع و أولاد جرير فشتتتهم فرنسا بسبب اختيار نصفهم للسلطة المغربية، فطردتهم من أراضيهم و ممتلكاتهم .

و بعد الاستقلال سيصبح كل سكان الصحراء الشرقية جزائريين، ضدا عل منطوق المادة الخامسة من اتفاقيات باريس، ما عدا النصف من ذوي منيع و أولاد جرير الذي أخرجتهم فرنسا من ترابهم، فإنهم قد حافظوا على مغربيتهم وبقوا نازحين لحد الساحة، بلا أرض و لا ممتلكات و لا تعويض على الرغم من أن هذه الاتفاقيات تقر بحقهم في الحفاظ على ممتلكاتهم .

بعد استقلال المغرب و في أول تقسيم اداري، حظي السكان المنحدرون من الصحراء الشرقية بإحداث قيادة لهم تحت اسم قيادة ذوي منيع، و هي قيادة سياسية بدون حدود ترابية، و ظل السكان محط عناية ملكية، استقبلوا مرارا من قبل الملكين محمد الخامس و الحسن الثاني، و في سنة 1998 استدعاني المسؤول عن الشؤون العامة بعمالة الرشيدية، و أخبرني إن جلالة الملك الحسن الثاني سيزور الاقليم ليدشن القصر الملكي بأرفود، و سيحظى ذوي منيع باستقبال ملكي، لكن مشيئة الله شاءت أن ينتقل جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله إلى جوار ربه، و لم يزر الرشيدية، و في سنة 2013 سيحل بها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، و لم يحظ المنحدرون من الصحراء الشرقية بشرف استقباله، بل ارتكب العامل عميمي جريرة تقديم مستشار جماعي للملك على أنه من ذوي منيع و هو ليس منهم، و خلفت سابقة عميمي غضبة قائد ذوي منيع على السلطات الاقليمية، فقاطعها إلى حدود الساعة، و منذئذ فقد السكان ثقتهم في السلطات بالرشيدية، و ابتعدوا عنها، و انتصبت حواجز نفسية و موضوعية مازالت تختمر إلى اليوم بسبب اقصاء غير مقبول، لكن السكان لم يفهموا منه سوى دلالته على الأهانة و الإيذاء .

Exit mobile version