احماد وفروخ يكتب .. رؤية مبتكرة لتقييم الوحدات العلمية نموذج عبد المجيد طلحة

1.    السياق العام:

في إطار تفعيل القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، والمرسوم رقم 2.04.89 المتعلق باختصاصات المؤسسات الجامعية، ودفتر الضوابط الوطنية الخاص بسلك الدكتوراه، والمقتضيات المؤسساتية الداخلية الخاص بكل من ميثاق الأطروحة والنظام الداخلي لقطب دراسات الدكتوراه، نظمت الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية (جامعة مولاي إسماعيل) تكوينات مكثفة لطلبة سلك الدكتوراه (السنة الثانية والسنة الثالثة) تهم ثلاث وحدات: “تاريخ العلوم” و”المنهجية العلمية ومنهجية البحث” و”تكوين في ميدان الأطروحة”. وهي مبادرة تكوينية تعكس حرص الكلية على تجويد مسار البحث العلمي وتعزيز المهارات المنهجية والعرضية للطلبة الباحثين، في سياق تسعى فيه الجامعة المغربية إلى ملاءمة تكوينات الدكتوراه مع المعايير الوطنية والدولية. ليبقى التحدي الحقيقي الذي ستواجهه (الجامعة المغربية) هو طريقة التقويمٍ التي يجب اعتمادها في هذا الشأن.

وإذا كانت الطرق التقليدية في التقييم غالبا ما تكون اختبارات كتابية معزولة أو مشاريع فردية بعيدة عن سياق التعلم الجماعي، فإن الأستاذ عبد المجيد طلحة، ومن خلال تجربته في تدريس وحدة تاريخ العلوم، طور نموذجا بيداغوجيا فريدا يجمع بين المرونة والفعالية، ويحترم استقلالية الطالب الباحث مع إدراجه في نسق جماعي منتج. وهذا المقال يوثق هذا النموذج وآلياته، ويقدم أسبابا قوية لتعميمه في التعليم المغربي (المدرسي والجامعي).

ونشير إلى أن النموذج لا يتطلب موارد معقدة أو تكنولوجيا متقدمة، بل هو بسيط، وقابل للتطبيق الفوري في أية مؤسسة تعليمية. لكن بساطته لا تعني سطحيته؛ لأن خلف كل خطوة من خطواته يكمن فهم عميق لكيفية تعلم الطالب الباحث وتطوره المعرفي.

2.    ملخص الوحدة العلمية: “من الأطروحة إلى النموذج: رحلة في تاريخ العلوم”.

لم يقتصر الأستاذ على تقديم محتوى تاريخي عن تطور العلوم، بل تجاوزه إلى التدريب على التفكير النقدي وتملك أدوات تحليل النماذج المعرفية، وتفكيك علاقات القوة الكامنة خلف كل خطاب علمي من خلال المناقشات والقراءات الموجهة لأعمال كبار فلاسفة العلم (باشلار، الجابري، طه عبد الرحمن …).

ويمكن تلخيص أهم النقط التي نوقشت في حصص الوحدة في أربع نقاط، هي:

النقطة الأولى: مراقبة الخطاب الجامعي/ الأكاديمي: حيث أكد على ضرورة مراقبة الطالب الباحث للغته ومعجمه وصياغته، ليتسم خطابه العلمي بالجدة والتفرد والابتعاد عن التكرار، والنظام والتسلسل، ويعني به ضرورة وجود ترابط منطقي يخدم الاطروحة أو الفرضية الأساسية.

النقطة الثانية: الوعود المرجوة من ربط الأطروحة بالنموذج، قائلا بأنه عند الالتزام ببناء الأطروحة وفق نموذج علمي رصين تتحقق فوائد كثيرة، ذكر منها:

النقطة الثالثة: المحاور الكبرى للبحث العلمي:

النقطة الرابعة: نقاشات وتدخلات الطلبة الباحثين، وشملت:

ختم الدكتور الحصص التكوينية بتأكيده على أن الحِياد العلمي وهْمٌ، وأن القوة تكمن في القدرة التفسيرية للمنظور العلمي المتبنَّى، داعيا الطلبة الباحثين إلى استثمار تاريخ العلوم لتجديد الفعل الإدراكي في أطاريحهم.

3.    خطوات النموذج.

الخطوة الأولى: تكوين المجموعات حسب المختبر/ التخصص/ الأستاذ المشرف.

لم يقسم الأستاذ الطلبة الباحثين إلى مجموعات بشكل اعتباطي، بل استخدم معايير محددة مرتبطة بالانتساب إلى المختبر الذي ينتمي إليه الطلبة الباحثون، أو تخصصهم الأساسي، أو الأستاذ المشرف على أطروحتهم. وهو تقسيم ذكي لأنه يجمع طلبة باحثين لديهم خلفية مشتركة، لغة مشتركة، مشاكل بحثية متقاربة. فأنا، على سبيل المثال، طالب باحث أعمل على موضوع في اللسانيات الحاسوبية وجدت نفسي مع طلبة باحثين آخرين في نفس الحالة. فخلق هذا التقارب مجتمعا صغيرا له هويته الخاصة، مما أزال الشعور بالغربــــــــــــــــــــــــة أوالعزلة. فشعر كل طالب باحث بأنه ليس وحيدا في برجه العاجي؛ بل هو جزء من فريق بحثي حقيقي.

الخطوة الثانية: قراءة وشرح المطلوب إنجازه

قبل أي نقاش أو عمل، وضّح الأستاذ بدقة ما هو المطلوب، لتجنب الغموض والقراءة لما بين السطور. فالوضوح الكامل منذ البداية حرّر الطلبة الباحثين من عائق نفسي كبير (القلق والارتباك والخوف من الخطأ غير المقصود) لأنهم يعرفون بالضبط أين يجب أن يركزوا جهودهم؛ إنهم على أرضية صلبة، يعرفون القواعد والأهداف.

الخطوة الثالثة: العصف الذهني داخل كل مجموعة

شكلت المرحلة لحظة حوار حقيقي؛ حيث يساهم كل عضو في المجموعة بأفكاره، يطرح أسئلة، يسمع آراء الآخرين. ونحن نعلم بأن العصف الذهني ليس عملية عشوائية من “كل شخص يقول ما يريد”، بل هو هدف مُوجّه نحو هدف محدد: كيف نربط الموضوع العام (تاريخ العلوم) بالأطاريح الفردية، فنجد، على سبيل المثال، طالبا باحثا يسأل: “كيف يرتبط تطور المناهج النحوية عبر الزمن بتطور الفكر اللساني العام؟ وآخر يقول: “هل فهم الخلفية التاريخية للنحو يساعد في بناء خوارزميات أفضل؟ وآخر يتساءل: ما علاقة تاريخ العلوم بالتخطيط اللغوي والسياسة اللغوية ببلادنا؟ … كل طالب باحث يشرح موضوعه بإيجاز، والآخرون يستمعون ويطرحون عليه أسئلة.

بهذه الطريقة، يتعلم كل فرد من خبرة الآخرين دون أن يشعر بأنه يدرس من كتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب أومحاضرة. إنه يتعلم من أقرانه الذين يعملون على مشاكل حقيقية.

الخطوة الرابعة: ربط المجموعات غبر الزيارات المتبادلة

بعد فترة معينة من النقاش في كل مجموعة، يختار أحد أعضاء المجموعة ليزور مجموعة أخرى (الطلبة الباحثون السفراء). وهو زائر يستمع فقط (لا يتدخل، ولا يطرح أسئلة، ولا يعارض). فترى لماذا صمت هذا السفير مهم؟

أولا، يترك مجال المجموعة المضيفة لتتحدث بحرية، دون خوف من تقييم خارجي. ثانيا، السفير يتعلم بعمق من خلال الاستماع. وثالثا، بعد عودته إلى مجموعته، يشارك ما سمعه. وهنا يحدث شيء سحري: المجموعات الأخرى تسمع عن مواضيع لم تكن تعرفها، ويحدث تقاطع معرفي فتتسع آفاق الجميع.

النتيجة: تحول العمل بالمجموعات المنعزلة إلى العمل بشبكة معرفية حية؛ حيث تتدفق الأفكار بين المجموعات دون انقطاع. وهو أمر حوّل الجلسة الواحدة إلى نظام متكامل من التعلم الجماعي.

الخطوة الخامسة: إشراف الأستاذ على سير العمل

أثناء عمل المجموعات، يقوم الأستاذ بدور حاسم لكن لا سلطوي؛ فهو يتحرك بينها، يستمع إلى النقاش، وعدما يرى أن المجموعة تَعْلَق في مشكلة معينة أو تسير في اتجاه خاطئ، يتدخل برفق؛ فلا يقول أنت مخطئ، بل يطرح سؤالا يوجه به التفكير، أو يعطي معلومات إضافية تفتح آفاقا جديدة، أو يشرح نقطة غير واضحة.

كما يتابع سرعة إنجاز المهمة: هل المجموعة متأخرة جدا؟ هل متقدمة جدا؟ ويُعدّل الوقت حسب الحاجة. فهو يراقب أن جميع الأصوات تُسمع وأن شخصية واحدة لا تهيمن على الحوار. فدوره مُيسّر ومُوجّه، لا قاض ولا محاضر.

الخطوة السادسة: العمل الفردي والتحرير الشخصي

بعد الحوار الجماعي والزيارات المتبادلة والنقاش، يأتي العمل الفردي: “اعتمد هذه النصوص (كتاب دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها لجورج كانغيلام[3]) منطلقا لكتابة ملخص (في أقل من خمسمائة (500) كلمة، أي صفحة واحدة) لورقة بحثية تقدم أطروحتك متأسسة على “نموذج” باستثمار ما يعد به “تاريخ العلوم” (بناء على المكتسبات المرصدة في محاضرات الوحدة، والحوار فيها“.

ساعة واحدة هي المدة المخصصة لإنجاز المطلوب. وهي مدة محددة بشكل دقيق؛ لأنها كافية لكتابة شيء معقول دون الضغط الشديد.

في الحقيقة، لم ينته الحوار الجماعي والزيارات والنقاش والأسئلة التي أثارها الأستاذ ولم تكن في الحسبان؛ لأن كل طالب باحث مطالب بأن يصوغ كل هذا بكلماته الخاصة. وهنا يحدث التعلم الحقيقي، حيث ينتقل من الحوار الجماعي الذي كان تشويقا وتحفيزا إلى الكتابة الفردية بوصفها استيعابا شخصيا يتطلب تفكيرا فرديا حقيقيا.

الخطوة السابعة: تسليم الورقة وتوقيع الحضور

في نهاية النصف ساعة، يسلم الطالب الباحث ورقته ويوقع الحضور: توقيع الحضور اعتراف رسمي بأن المعني حضر وشارك وأنجز عمله. والورقة ليست امتحانا بالمعنى التقليدي، إنما هي دليل على التفكير: فالأستاذ لن ينظر إليها باحثا عن أخطاء ليحتسبها ضد الطالب الباحث، بل سيقرأها ليفهم: “كيف فكر؟ وماذا استوعب من الحوار؟ وكيف ربط بين موضوع أطروحته وموضوع الوحدة العلمية “تاريخ العلوم”؟

4.    لماذا هذا النموذج فعّال يستحق التعميم؟

إنه نموذج بسيط لكنه فعال، لأنه يحقق عدّة أهداف تربوية/ تكوينية في نفس الوقت:

  1. الجمع بين العمل الجماعي (الحوار الجماعي) والعمل الفردي (الكتابة الفردية)؛
  2. التعلم من الأقران الذين يعملون على مشاكل حقيقية؛
  3. التقييم المستمر: الأستاذ يراقب العملية، لا النتيجة النهائية. يفهم نقاط القوة ونقاط الضعف بشكل فوري؛
  4. التحفيز الذاتي: كل عضو في المجموعة يشعر أن رأيه مهم، وأن عمله مقدّر؛
  5. التعميم على الحياة المهنية: فالحوار الجماعي يشبه المؤتمرات والندوات العلمية. والكتابة الفردي تشبه البحث المستقل. وبالتالي فالطالب الباحث يتدرّب على مهارات سيحتاجها في حياته المهنية…

5.    توصيات تعميم النموذج.

في رأينا الشخصي، يستحق هذا النموذج أن يعمّم على التعليم المغربي عامة، وعلى جميع وحدات التكوين في جميع أسلاك التعليم الجامعي بشكل خاص. لكن هذا التعميم يحتاج إلى:

  1. تدريب الأساتذة ليفهموا الفلسفة المؤطرة للنموذج؛ لأنه ليس مجرد خطوات آلية/ مبكانيكية؛
  2. توفير الموارد: قاعات كافية، جداول مرنة، وعدد معقول من الأساتذة بحيث يستطيع الأستاذ الالتفات لكل مجموعة؛
  3. التقييم المشترك: قد يختلف الأساتذة في تطبيقه قليلا، لكن المبادئ الأساسية يجب أن تبقى موحدة؛
  4. الدعم الإداري للنموذج باعتباره تحسينا حقيقيا للطرق القديمة المعتمدة في التعليم المغربي.

6.    الخاتمة:

استطاع الدكتور عبد المجيد طلحة أن يبدع نموذجا متفردا لتقييم الوحدات العلمية التكوينية لطلبة سلك الدكتوراه. نموذج يتجاوز التعقيدات الإدارية والحاجة إلى براءات الاختراع، فيتألق ببساطته المنطقية وسهولة تطبيقه. غير أن هذه البساطة ليست سوى وجه ظاهر لعمق فكري راسخ يمنح الأستاذ المؤطر نافذة رحبة لفهم مسارات تعلم الطلبة الباحثين، واستيعاب كيفية تفكيرهم وتطورهم المعرفي.

ويعالج هذا النموذج مشاكل حقيقية في التعليم بشكل عام والتعليم الجامعي بشكل خاص. نذكر منها: عزلة الطلبة، سلبيتهم، وتقييمهم غير العادل … وفي المقابل، يُفَعّل النموذج الطريقة الإنسانية التي تحترم كرامة الطالب الباحث واستقلاليته الفكرية.

خلاصة القول، يجب على كل جامعة مغربية، بل على كل جامعة عربية، أن تفكر في تطبيق هذا النموذج. ليس لأنه جديد، بل لأنه فعّال يحقق أهداف التكوين بكفاءة وعدل، ويصنع باحثين مستقلين وحواريين في نفس الوقت. وهذا بالضبط ما نحتاجه في تعليمنا اليوم.

7.    لائحة المصادر والمراجع:

الوثائق الرسمية:

الكتب:

Exit mobile version