ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: حكم تحكيمي يُبطل في دولة ويُنفذ في أخرى: عندما تتجاوز إرادة التحكيم حدود السيادة القضائية

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في عالم الأعمال والاستثمار الدولي، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم اقتصادها أو جاذبية أسواقها، بل كذلك بمدى قدرتها على توفير بيئة قانونية مستقرة وآليات فعالة لحماية الحقوق وتسوية المنازعات. ومن بين أهم هذه الآليات يبرز التحكيم الدولي باعتباره الوسيلة المفضلة لدى المستثمرين والشركات متعددة الجنسيات لحل النزاعات التجارية والاستثمارية بعيداً عن تعقيدات القضاء الوطني. غير أن قضية شركة “بيكتل” الأمريكية ضد دائرة الطيران المدني بدبي كشفت عن واحدة من أكثر الإشكالات القانونية إثارة في تاريخ التحكيم الدولي، وهي إمكانية أن يكون الحكم التحكيمي باطلاً في دولة وصحيحاً وقابلاً للتنفيذ في دولة أخرى في الوقت نفسه.
بدأت القصة عندما أبرمت شركة بيكتل عقداً لتطوير مشروع ترفيهي ضخم في دبي يضم مدينة ألعاب عالمية ومرافق تجارية وسكنية متكاملة. وبعد نشوء خلاف بين الطرفين حول تنفيذ العقد والمستحقات المالية، تم اللجوء إلى التحكيم وفق قواعد غرفة تجارة وصناعة دبي وقواعد الأونسيترال. وانتهى التحكيم إلى إصدار حكم يقضي بإلزام الجهة الحكومية بأداء مبالغ ضخمة تجاوزت أربعة وعشرين مليون دولار أمريكي مع الفوائد والمصاريف القانونية.
غير أن ما بدا انتصاراً قانونياً كاملاً للشركة لم يدم طويلاً. فقد بادرت الجهة الحكومية إلى رفع دعوى بطلان أمام القضاء الإماراتي، مستندة إلى عدة أسباب إجرائية، كان أبرزها أن المحكم استمع إلى الشهود دون تحليفهم اليمين القانونية المنصوص عليها في المادة 211 من قانون الإجراءات المدنية الإماراتي. وبعد سلسلة من درجات التقاضي، انتهت محكمة التمييز بدبي إلى تأييد بطلان الحكم التحكيمي، معتبرة أن تحليف الشهود اليمين إجراء إلزامي يتعلق بصحة الإثبات، وأن الإخلال به يؤدي إلى بطلان إجراءات التحكيم والحكم المبني عليها.
من الناحية القانونية البحتة، يبدو موقف القضاء الإماراتي منسجماً مع فلسفة احترام الإجراءات الآمرة وضمانات العدالة، إذ إن الشهادة تعتبر من وسائل الإثبات الجوهرية، وتحليف الشاهد اليمين ليس مجرد إجراء شكلي بل ضمانة قانونية تهدف إلى تعزيز مصداقية الأقوال وردع شهادة الزور. ولذلك اعتبرت المحكمة أن مجرد تنبيه الشاهد إلى قول الحقيقة لا يمكن أن يحل محل اليمين القانونية التي يفرضها النص التشريعي.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في حكم البطلان ذاته، بل فيما وقع بعد ذلك. فبدلاً من الاستسلام للحكم النهائي الصادر في دولة المقر، اتجهت شركة بيكتل إلى فرنسا وطلبت تنفيذ الحكم التحكيمي ذاته. وهنا ظهرت فلسفة قانونية مختلفة تماماً عن الفلسفة التقليدية التي تربط مصير الحكم التحكيمي بدولة المقر. فقد اعتبرت محكمة استئناف باريس أن إبطال الحكم في الإمارات لا يمنع تنفيذه في فرنسا، وأن قرارات الإلغاء الصادرة عن محاكم دولة المقر لا تنتج آثاراً دولية تلقائية تلزم القاضي الفرنسي.
هذا التوجه يجسد ما يعرف في الفقه المقارن بنظرية “استقلال التحكيم الدولي” أو “التحكيم غير المتموضع”، وهي النظرية التي تبنتها المدرسة الفرنسية منذ عقود. فوفقاً لهذا التصور، لا يعد الحكم التحكيمي الدولي مجرد امتداد للقانون الوطني لدولة المقر، وإنما يُنظر إليه باعتباره قراراً ذا طبيعة دولية مستقلة نسبياً، يمكن أن يكتسب حياة قانونية خاصة به خارج الحدود الإقليمية للدولة التي صدر فيها.
اقتصادياً، تعكس هذه القضية صراعاً بين اعتبارات السيادة الوطنية ومتطلبات الاقتصاد العالمي. فالمستثمر الدولي يبحث دائماً عن اليقين القانوني وضمان تنفيذ الأحكام، بينما تسعى الدول إلى حماية نظامها القانوني الداخلي وفرض احترام قواعدها الآمرة. ومن هنا يظهر التحدي الحقيقي المتمثل في تحقيق التوازن بين استقلالية التحكيم الدولي واحترام الخصوصيات القانونية الوطنية.
أما من منظور القانون المقارن، فإن هذه القضية تؤكد وجود مدرستين رئيسيتين في التحكيم الدولي. المدرسة الأولى، التي تميل إليها العديد من الأنظمة القانونية التقليدية، ترى أن حكم التحكيم يظل مرتبطاً بدولة المقر وأن إبطاله فيها يؤدي منطقياً إلى سقوطه دولياً. أما المدرسة الثانية، التي تتزعمها فرنسا، فترى أن حكم التحكيم الدولي يتمتع باستقلال نسبي يسمح بتنفيذه في بعض الدول حتى بعد إبطاله في بلد صدوره.
وتبرز أهمية هذه القضية بالنسبة للعالم العربي بشكل خاص، لأن المنطقة أصبحت اليوم وجهة رئيسية للاستثمارات الدولية ومشاريع البنية التحتية والطاقة والتمويل. وكلما ارتفعت قيمة الاستثمارات العابرة للحدود، ازدادت أهمية تطوير أنظمة التحكيم وتعزيز الثقة في تنفيذ الأحكام الصادرة عنها. كما أن هذه القضية تذكر المحكمين والمحامين بأهمية الالتزام الدقيق بالإجراءات القانونية، لأن خطأً إجرائياً واحداً قد يؤدي إلى ضياع سنوات من العمل وملايين الدولارات.
إن الدرس الأبرز الذي تقدمه قضية بيكتل ليس فقط أن حكم التحكيم يمكن أن يكون باطلاً في دولة وقابلاً للتنفيذ في دولة أخرى، بل إن التحكيم الدولي أصبح اليوم فضاءً قانونياً عالمياً تتقاطع فيه السيادة الوطنية مع متطلبات التجارة الدولية. وبينما تتمسك بعض الأنظمة بسلطة دولة المقر باعتبارها صاحبة الكلمة الأخيرة، تتجه أنظمة أخرى إلى تكريس استقلالية أكبر للتحكيم الدولي خدمةً لحركة الاستثمار العالمي. وهكذا تحولت هذه القضية من نزاع مالي حول مشروع ترفيهي إلى محطة تاريخية أعادت رسم حدود العلاقة بين القضاء الوطني والتحكيم الدولي، وأصبحت مرجعاً أساسياً يدرَّس في الجامعات ومعاهد التحكيم ومراكز البحث القانوني عبر العالم.





