عمود الجهة8.. “شرجم” الحلقة السابعة : المغرب و ثنائية الأرض و الانسان في الصحراء الشرقية

الصحراء الشرقية : التاريخ و الجغرافيا والسياسة .

الأرض

كانت الصحراء الشرقية و سكانها على امتداد التاريخ، حاجزا منيعا ساهم في الحفاظ على حدود المغرب في البوابة الشرقية، و صارت لما اكتسح الأتراك كل الدول العربية، هي حدوده الحقة .

لذا حرص حتى بعد هزيمته في معركة واد إيسلي سنة 1844، و بعد توقيع معاهدة للامغنية، أن يعيد و يؤكد على مغربية قبائلها، فالسلطان مولاي عبد الرحمان و لما خذله حميدة بن علي السجعي، عامله على وجدة، و نائبه الذي كلفه بمهمة التفاوض مع ممثل فرنسا بالجزائر الكونت دولاروا في شأن معاهدة للا مغنية المبرمة في سنة 1845، وجه رسالته الشهيرة إلى بوسلهام بن علي في سنة 1261ه، و مما جاء فيها : ” وبعد، فإن حميدة بن علي عامل وجدة مع الطالب أحمد خضر قد خدعهما نائب عدو الدين فيما كلفناهما به من الوقوف معه على الحدود، و غرهما على عادته، و بذل الطمع حتى أدخلا في الحد طرفا و أقرا من بلاد قبائل إيالتنا السعيدة لناحية بلاد الجزائر، و غرهما حتى طبع حميدة على الرسم الذي أتى به، و نحن لم نرض ذلك، و لا نوافق على تسليم بلاد قبائل إيالتنا، فاعلم قونصو الفرنصيص بذلك لئلا يعتقد تسليمنا لما فعلوا خداعا و مكرا ” . ( 1 )

فوجدت فرنسا نفسها أمام هذا الرفض مضطرة لتخيير السلطان بين القبول بالاتفاقية أو احتلال وجدة، فعدلها مؤكدا على موقفه من الحدود المغربية التي ظلت محددة بحدود المغرب مع الدولة العثمانية في الجزائر، و وضع النقط بارزة على الحروف : ” و زدنا أن أمضينا ما كان على حدود الترك المعلومة و نرفع الخلاف ” .

و يعتقد بعض المؤرخين أن لاتفاقية للامغنية نسختين، الأولى تتضمن سبعة بنود و الثانية لا تشتمل سوى على ستة، و هذه هي التي وافق عليها و وقعها السلطان مولاي عبد الرحمان، و يتفقون على أن البند الذي حذفه كان هو البند السادس الذي ينص على ” أن الأرض التي هي قبلة قصور الفريقين في الصحراء لا ماء فيها، فلا تحتاج للتحديد لكونها أرض فلاة “، فهذا البند غير موجود في النسختين التي وجدتا عند قاضي وجدة و لدى كبير قصر زناكة بفجيج، و هذا البند هو أصل المعضلة الكبرى، لذلك ظلت الكتابات الكولونيالية تحيل عليه و تذكر به، في حين أقصاه جل المؤرخين المغاربة، مثله مثل المادة الخامسة من اتفاقيات باريس، من اهتمامهم و التركيز عليه، و من ثمة ساهموا في طمس الاتفاقية التي وقعها مولاي عبد الرحمان و ترسيم، من حيث لا يشعرون، النسخة التي وقعها حميدة بن علي السجعي .

و ترتيبا على ما سبق ، فالأرشيف الكولونيالي عكس هذه الازدواجية، فظل في الكثير من الكتابات يعتبر التراب مغربيا، لكن بلا تحديد، مما يعني أن فرنسا ظلت حتى بعد غزوها للصحراء الشرقية تقر بالاتفاقية التي وقع عليها السلطان مولاي عبد الرحمان في ظروف معينة، و تشهر نسخة حميدة عند الضرورة، و يزخر الأرشيف الكولونيالي الذي رفعت عنه فرنسا السرية بالكثير من الوثائق الدالة على ذلك، لكن الجزء الذي ما زال تحت السرية هو القمين برفع اللبس و اظهار الحقيقة التي ستفحم الجميع .

غير أن فرنسا لما قررت اجراء تجاربها النووية فوق أرض الصحراء الشرقية، ووجهت برفض الملك محمد الخامس، و بعدما فشلت في بث النزعة الانفصالية لدى النخبة الصحراوية، قررت دمجها ضمن التراب الجزائري، و بعد استقلال البلدين و لما تملصت جزائر بن بلة من اتفاق الرباط لسنة 1961 اندلعت حرب الرمال التي انتهت بدون حل لقضية الصحراء الشرقية، ليشرع الطرفان في سنة 1969 في المفاوضات لابرام اتفاقية إفران التي وقعت في سنة 1972 .( 2 )
و كما حدث في اتفاقية للامغنية التي أشرف عليها حميدة بن علي السجعي، و أثارت حفيظة السلطان مولاي عبد الرحمان، فإن الجنرال أوفقير كان مهندس اتفاقية إفران التي وقعت بالرباط في 15 يونيو 1972، و بعد شهرين بالضبط سيفشل أوفقير في انقلابه في 15 غشت 1972، لتتضح العديد من الخفايا وراء تسطير الحدود بتلك الطريقة التي رسمت بها، فأحجم الملك الحسن الثاني رحمه الله عن عرضها على البرلمان و نشرها بالجريدة الرسمية المغربية إلى حدود سنة 1992 . ( 3 )
و منذئذ ظل المغرب ملتزما بإحداثيتها، فانسحب من عش البرابر و صبخة الملح و العرجة و محيط قصر إيش، لكن المجتمع المدني من شخصيات حزبية و فاعلين سياسيين و حقوقيين، ظلوا يطالبون الدولة باسترجاع الصحراء الشرقية، و لم تسجل أي إثارة للموضوع من قبل شخصيات رسمية مغربية، ما عدا ما جاء على لسان مديرة مديرية الوثائق الملكية في الفيديو أسفله :

الهوامش :
( 1) ابن زيدان محمد بن عبد الرحمان السجلماسي : ” اتحاف أعلام الناس في أخبار حاضرة مكناس ” .
( 2 ) دخل المغرب حرب الرمال بلا اجماع وطني، فالمهدي بنبركة كان مصطفا إلى جانب الجزائر و جمال عبد الناصر، فلم يحقق الانتصار في الحرب الأهداف المسطرة، بل عرى النوايا و كشف المستور.. لذلك و قبل تنظيم المسيرة كان التركيز على التزام الجميع بالاجماع الوطني .. فتحققت الأهداف .
( 3 ) فرط أوفقير كحميدة بن علي السجعي في الحدود و قبائلها، و زاد لما اقترح على الملك الحسن الثاني رحمه الله، حذف قيادة ذوي منيع، و هي الادارة الوحيدة لسكان الصحراء الشرقية الذين اختاروا السلطة المغربية إبان الغزو الفرنسي لترابهم، و قرار فرنسا تنفيذ المادة الخامسة من اتفاقيات باريس لسنة 1901 فالتحقوا بالمغرب.
وأخبرني آخر قائد لقيادة ذوي منيع السيد بوعلام شهيد أن الملك رد على أوفقير بقوله : ” إن الحسن الثاني لا يمكنه أن يجتث شتلة غرسها محمد الخامس ” .
و مازالت القيادة إلى اليوم بعين الشواطر باقليم فجيج، لكن بدون روح .

Exit mobile version