بين انتحال الصفة الحزبية والهوس بالنسب: سلوك غريب لمنتخب بالرشيدية

في المشهد السياسي المغربي، غالبا ما تتداخل الطموحات الشخصية بالآليات الحزبية، لكنها في بعض الأحيان تتجاوز الحدود التنظيمية والواقعية لتصبح حالة تستدعي التأمل والنقاش العجيبين، الواجهة اليوم تسلط الضوء على جهة درعة تافيلالت، وتحديدا على سلوكيات منتخب بأعلى هيئة منتخبة بالجهة، الذي يبدو أنه يخوض “معركة ذاتية” مستمرة لإعادة صياغة هويته السياسية والاجتماعية.

فوضى الصفات الحزبية: عندما يُخترع المنصب

المعطى الأول المثيل للجدل في مسار هذا المنتخب، يتجلى في الطريقة التذبذبية التي يقدم بها نفسه داخل البيت الداخلي للحزب، او عبر من بتخذهم أدوات إعلامية لنشر ترهاته التي يفهمها لوحده، فتارة يعلن نفسه منسقاً جهويا للحزب بصفة قطعية، وتارة أخرى يختار صفة مخففة لكنها هجينة وهي نائب المنسقة الجهوية.

المفارقة الصارخة هنا لا تكمن فقط في التناقض بين الخطابين، بل في حقيقة تنظيمية يعرفها الصغير والكبير في الحزب: منصب “نائب المنسق الجهوي” لا وجود له بتاتاً في الهيكلة القانونية والتنظيمية، وبالتالي فإن هذا الإصرار على تقديم النفس بصفة وهمية لا يمثل فقط خرقا لأعراف التواصل الحزبي، بل يضعنا أمام رغبة جامحة في تضخيم الذات السياسية واصطناع تراتبية قيادية غير موجودة على أرض الواقع، ربما للهروب من واقع كونه مجرد فاعل محلي يبحث عن مشروعية أكبر.

“مولاي الحسن”: صناعة “الشرف” المتخيل

لا يتوقف الأمر عند حدود “الفبركة” التنظيمية، بل يمتد إلى الهوية الشخصية والاسمية، فبينما تشير الوثائق التعريفية الرسمية، التي تتوفر لدى الجريدة، بوضوح إلى أن الاسم الحقيقي والمعتمد للرجل لا يقترب من “مولاي”، يصر هذا المنتخب على تقديم نفسه في كل المحافل والمناسبات باسم “مولاي الحسن”.

هذا الانتقال من اسم عائلي عادي إلى صيغة “مولاي” المحملة بالرمزية الدينية والاجتماعية في الثقافة المغربية، ليس مجرد “تغيير اسم شهرة”، بل هو استراتيجية لإبراز الانحدار من سلالة “الشرفاء” والادعاء بالنسَب الشريف، وهو ما ينتفي في نازلة الحال، بل إن الهدف الضمني هنا واضح: إلزام المحيط الاجتماعي والسياسي بتقديم فروض “الوقار” والاحترام الواجب قانوناً وعرفاً للشرفاء، وتحويل العمل السياسي من فضاء للمساءلة والخدمة العمومية إلى فضاء للتبجيل والتقدير القائم على “البركة والنسب”.

الدوافع النفسية والسوسيولوجية وراء السلوك

لأجل فهم هذه الظاهرة بشكل أعمق، يمكن تفكيك الدوافع النفسية التي تحرك هذا النوع من الشخصيات السياسية عبر ثلاثة محاور رئيسية؛ يتعلق الأول بعقدة النقص والتعويض النفسي في علم النفس، يمثل الاندفاع نحو اختراع ألقاب وهمية (مثل نائب المنسقة) أو تعديل الأسماء لمنحها طابعا قدسيا، آلية دفاعية للتعويض عن شعور داخلي بالنقص أو عدم الكفاية السياسية، فعندما يشعر الفاعل السياسي أن كفاءته أو مساره الحقيقي لا يمنحانه المكانة التي يطمح إليها، يلجأ إلى “تضخيم الذات” عبر الألقاب الخارقة لفرض هيبته، بينما يتعلق الثاني بسيكولوجية “البحث عن الحصانة الرمزية”؛ فالاحتماء بعباءة “النسب الشريف” (مولاي الحسن) في الفضاء العام بجهة محافظة سوسيولوجيا مثل درعة تافيلالت، يعكس رغبة في بناء “حصانة رمزية”، وهذه الحصانة تجعل صاحبها يعتقد أنه فوق النقد؛ فمن ينتقد أداءه، كأنه يمس برمزية نسبه الشريف، والثالث يتعلق بالنرجسية السياسية والبرستيج الاجتماعي؛ حيث أن بعض النخب المحلية تعاني من “عشق المظاهر السياسية” أو النرجسية التي تتغذى على نظرات التبجيل، و الإصرار على صفات غير موجودة يعكس حاجة مرضية للاعتراف المستمر من طرف الآخرين، ورغبة في الشعور بالتميز والسيطرة داخل الاجتماعات الرسمية والأنشطة الحزبية.

إن حالة هذا المنتخب، تختزل ظاهرة أوسع لبعض النخب السياسية التي لم تستوعب بعد أن المغرب يتجه نحو “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ونحو دولة المؤسسات والكفاءة، فالوجاهة السياسية تُكتسب بالمشاريع التنموية، وحل مشاكل الساكنة، والالتزام بالقوانين الحزبية، وليست باختراع مناصب وهمية أو الاستقواء بألقاب ونَسبٍ، الأصل فيه هو السلوك والمواطنة، وليس مجرد وثائق أو رغبات في التبجيل الزائف.

Exit mobile version