ذ.اسليماني مولاي عبد الله يكتب: المحكمة تتخلى عن هيبة «البدلة السوداء» من أجل مصلحة الطفل: قراءة في مستجدات عدالة الأحداث بالمغرب

بقلم الأستاذ  اسليماني مولاي عبد الله

شهد التشريع المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولات نوعية في مجال حماية الطفولة وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة للأحداث، وذلك انسجاماً مع الالتزامات الدولية للمملكة، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، ومع التوجهات الحديثة التي تجعل من مصلحة الطفل الفضلى معياراً أساسياً في صياغة القواعد القانونية وتطبيقها. وفي هذا السياق، جاء قانون المسطرة الجنائية الجديد بمقتضى غير مسبوق يتيح للمحكمة، في بعض حالات قضاء الأحداث، عقد الجلسات دون ارتداء القاضي أو ممثل النيابة العامة أو كاتب الضبط أو المحامي للبدلة الرسمية.

قد يبدو هذا المستجد للوهلة الأولى مجرد تغيير شكلي أو خروج عن بعض الأعراف القضائية الراسخة، غير أن القراءة المتأنية تكشف أنه يعكس تحولاً عميقاً في فلسفة العدالة الجنائية الخاصة بالأحداث، وانتقالاً من منطق العقاب والزجر إلى منطق الحماية والتأهيل وإعادة الإدماج.

لقد ارتبطت البدلة القضائية عبر التاريخ بمفاهيم السلطة والهيبة والوقار، وهي رموز ضرورية لتجسيد استقلال القضاء واحترام المؤسسة القضائية. غير أن هذه الرمزية ذاتها قد تتحول، بالنسبة للطفل الموجود في وضعية نزاع مع القانون، إلى عنصر ضغط نفسي وخوف يمنعه من التعبير بحرية أو من فهم حقيقة الإجراءات المتخذة في حقه. فالأطفال لا يدركون المؤسسات القانونية بالمنطق ذاته الذي يدركها به الراشدون، بل يتأثرون بشكل كبير بالرموز والصور والانطباعات النفسية.

ومن هذا المنطلق، جاء المشرع المغربي ليمنح المحكمة صلاحية تقديرية بعقد جلسات الأحداث في أجواء أقل رسمية وأكثر ملاءمة للوضع النفسي للطفل. فالغاية ليست المساس بوقار العدالة أو التقليل من مكانة القضاء، وإنما تهيئة فضاء قضائي يساعد الحدث على التواصل والتفاعل وإبداء أقواله في ظروف إنسانية أكثر ملاءمة.

ويستند هذا التوجه إلى مقاربة حديثة تعرف بـ«العدالة الصديقة للطفل»، وهي فلسفة قانونية دولية تقوم على جعل الإجراءات القضائية مفهومة وميسرة ومراعية لسن الطفل ومستوى إدراكه وحاجياته النفسية والاجتماعية. فنجاح المحاكمة لا يقاس فقط بسلامة الإجراءات القانونية، بل كذلك بقدرتها على تحقيق العدالة دون إحداث آثار نفسية سلبية قد ترافق الطفل طوال حياته.

إن إزالة الحواجز الرمزية داخل قاعة الجلسات يمكن أن تسهم في تحقيق عدة أهداف جوهرية. أولها تخفيف التوتر والخوف اللذين يشعر بهما الحدث عند مثوله أمام القضاء. وثانيها تشجيعه على الإدلاء بأقواله بصدق ووضوح بعيداً عن رهبة المكان. وثالثها تعزيز ثقة الطفل في مؤسسة العدالة باعتبارها مؤسسة للحماية والإنصاف قبل أن تكون أداة للردع والعقاب.

ولا يعني هذا التوجه بأي حال من الأحوال التخلي عن هيبة القضاء أو إضعاف سلطته، لأن الهيبة الحقيقية للمؤسسات القضائية لا تستمد فقط من المظاهر والرموز، بل من قوة القانون وعدالة الأحكام واحترام الحقوق والحريات. فالقاضي يبقى قاضياً سواء ارتدى بدلته الرسمية أو مارس صلاحية قانونية خولها له المشرع في إطار خاص يتعلق بحماية الأحداث.

كما أن هذا المستجد يعكس تطوراً ملحوظاً في السياسة الجنائية المغربية التي أصبحت أكثر وعياً بأهمية البعد النفسي والاجتماعي في معالجة جنوح الأحداث. فالتجارب المقارنة أثبتت أن المقاربات الإنسانية والتربوية تحقق نتائج أفضل في إعادة الإدماج والوقاية من العود مقارنة بالمقاربات الزجرية الصرفة.

وعليه، فإن السماح بعقد جلسات الأحداث دون ارتداء البدلة الرسمية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد استثناء شكلي، بل باعتباره تجسيداً عملياً لفلسفة قانونية جديدة تجعل الطفل في قلب العملية القضائية، وتمنح الأولوية لحمايته النفسية وكرامته الإنسانية. إنه اختيار تشريعي يعكس نضجاً متزايداً في فهم العدالة الجنائية الحديثة، ويؤكد أن العدالة الحقيقية ليست فقط تلك التي تطبق القانون، بل تلك التي تراعي الإنسان أيضاً، خاصة عندما يكون هذا الإنسان طفلاً يحتاج إلى الحماية أكثر من حاجته إلى التخويف.

إن عدالة الأحداث الناجحة ليست تلك التي تُشعر الطفل بقوة الدولة، بل تلك التي تُشعره بأن الدولة قادرة على حمايته وإنصافه وإعادة دمجه في المجتمع كفرد صالح وفاعل.

Exit mobile version