
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
يشكل البحث العلمي اليوم أحد أهم معايير قوة الدول ونفوذها الاقتصادي والتكنولوجي، فلم تعد الثروات الطبيعية وحدها كافية لتحقيق التنمية المستدامة، بل أصبحت المعرفة والابتكار هما المحرك الحقيقي للاقتصادات الحديثة. ولهذا تستثمر الدول المتقدمة مليارات الدولارات سنوياً في البحث والتطوير، وتعتبر الجامعات ومراكز البحث جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي والتنافسية الدولية. وفي المقابل، لا تزال العديد من الجامعات العربية تواجه تحديات بنيوية تجعل مساهمتها في إنتاج المعرفة العالمية محدودة، رغم توفر كفاءات علمية أثبتت نجاحها داخل وخارج الوطن العربي.
تكشف التجربة الغربية أن البحث العلمي لم يعد عملاً فردياً يقوم به أستاذ جامعي داخل مكتبه، بل أصبح مشروعاً مؤسسياً طويل الأمد تشارك فيه فرق متعددة التخصصات تضم باحثين ومهندسين وإحصائيين وخبراء في التكنولوجيا والاقتصاد والقانون والعلوم الاجتماعية. ويستفيد هؤلاء من مختبرات متطورة، ومنصات رقمية، وتمويل تنافسي، وشبكات تعاون وطنية ودولية، بما يسمح بتحويل الأفكار العلمية إلى ابتكارات وبراءات اختراع ومنتجات صناعية وسياسات عمومية.
وتؤكد بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن الإنفاق العالمي على البحث والتطوير تجاوز 2.7 تريليون دولار أمريكي، بينما تنفق دول مثل كوريا الجنوبية وإسرائيل أكثر من 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث العلمي، وتخصص الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وفرنسا والصين ميزانيات ضخمة لدعم الجامعات والمختبرات الوطنية. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تهيمن هذه الدول على أغلب براءات الاختراع والمنشورات العلمية المحكمة والتقنيات الحديثة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطب الحيوي والطاقة والفضاء.
في المقابل، يعاني عدد من الباحثين العرب من واقع مختلف، يتمثل في محدودية التمويل، وضعف البنيات التحتية، وقلة المختبرات المجهزة، والإجراءات الإدارية المعقدة، فضلاً عن ارتفاع الأعباء التدريسية والإدارية. وغالباً ما يجد الباحث نفسه مسؤولاً وحده عن إعداد المشروع، والبحث عن التمويل، وإنجاز الدراسة، ونشر النتائج، في غياب فرق بحثية مستقرة أو مكاتب متخصصة لإدارة المشاريع العلمية، وهو ما يقلل من فرص إنتاج أبحاث كبرى قادرة على المنافسة الدولية.
ولا يعني ذلك أن الجامعات العربية تفتقر إلى الكفاءات، بل إن آلاف الباحثين العرب يشغلون مناصب مرموقة في أرقى الجامعات ومراكز البحث العالمية، وأسهموا في اكتشافات وإنجازات علمية مهمة عندما توفرت لهم البيئة المؤسسية والتمويل والتجهيزات المناسبة. وهذا يؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في العنصر البشري، وإنما في بناء منظومة بحثية متكاملة تجعل الباحث يعمل داخل مؤسسة قوية، لا في عزلة أكاديمية.
ومن جهة أخرى، لم تعد الجامعات الغربية تكتفي بنشر المقالات العلمية، بل أصبحت تقيس نجاحها بقدرتها على تسجيل براءات الاختراع، وإنشاء الشركات الناشئة، وجذب الاستثمارات، وإبرام الشراكات مع القطاع الصناعي، وتحويل نتائج الأبحاث إلى حلول عملية تخدم المجتمع والاقتصاد. ولهذا تتوفر معظم الجامعات الكبرى على مكاتب لنقل التكنولوجيا، وحاضنات للمقاولات المبتكرة، وصناديق لدعم الابتكار وريادة الأعمال.
أما الجامعات العربية، فهي مطالبة اليوم بالانتقال من ثقافة البحث الفردي إلى ثقافة المشاريع البحثية الجماعية، ومن منطق الإنجاز الأكاديمي المعزول إلى منطق الأثر التنموي. ويتطلب ذلك إصلاح منظومة الحكامة الجامعية، وتوفير تمويل تنافسي ومستدام، وتشجيع التعاون بين الجامعات والقطاعين العام والخاص، وربط برامج البحث بالأولويات الوطنية في مجالات الأمن المائي، والطاقة، والصحة، والرقمنة، والتغيرات المناخية، والتنمية الترابية.
وفي المغرب، يشكل القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي أحد المرتكزات التشريعية لتطوير البحث العلمي والابتكار، كما تعمل الجامعات والمؤسسات الوطنية على توسيع برامج الشراكة والبحث التطبيقي، غير أن تحقيق نقلة نوعية يظل رهيناً بتعزيز التمويل، وتطوير البنية التحتية، واستقطاب الكفاءات، وربط نتائج البحث العلمي بحاجيات الاقتصاد الوطني.
إن التجارب الدولية تؤكد أن الجامعة ليست مجرد فضاء للتدريس، وإنما مؤسسة لإنتاج المعرفة وصناعة المستقبل. ولذلك فإن بناء اقتصاد عربي قائم على الابتكار يقتضي إعادة الاعتبار للبحث العلمي باعتباره استثماراً استراتيجياً طويل المدى، وليس بنداً ثانوياً في الميزانيات العامة. فحين يصبح الباحث جزءاً من منظومة مؤسساتية متكاملة، مدعومة بالتمويل والتجهيزات والشراكات، يمكن للجامعة العربية أن تتحول من مستهلكة للمعرفة إلى منتجة لها، وأن تسهم بفاعلية في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز المكانة العلمية للدول العربية في المشهد الدولي.