عمود الجهة8 … “شرجم” : أحزابنا المعزولة و نخبنا الصغيرة

لم يواجه الناخب المغربي على امتداد الانتخابات التي شهدتها البلاد، حيرة و ارتباكا كما يواجهها اليوم، في المحطات السابقة لم يكن يجد صعوبة كبيرة في الاختيار و كان له القرار، و كان يعرف على من سيصوت قبل الموعد بأسابيع و شهور، تارة يكون البرنامج حاسما في الاختيار، و تارة أخرى يكون شخص المرشح هو الدافع بغض النظر عن انتمائه و وعوده … أما اليوم و بعد تجاربه المريرة مع الحكومات المتوالية و النخب التي تعيد انتاج نفسها، بلا تغيير كبير، فالأمر في غاية الصعوبة و التعقيد، و الشيء الوحيد المحسوم هي قناعته بأن التوجه إلى مكتب التصويت صار عقابا و جلدا للذات و شهادة للزور .

جرب الناخب المغربي كل التوجهات السياسية، ساد الليبرالي و تبعه الاشتراكي و تلاه الاسلامي و حل محله الوطني، و وجد أن ” أولاد عبد الواحد كلهم واحد “، الليبرالي تحول من الانساني المستأنس إلى الاستغلالي المتوحش، و الاشتراكي لم يتبق من وردته سوى الأشواك، و صار الامتناع عن التصويت لتأميم لاسامير و تمكين الأرامل من المعاش ” احتجاجا على التغول “، أما الاسلامي فعفا عما سلف ووقع التطبيع و حرر الأسعار، و الوطني ميزانه تلف و لم يعد قابلا لأن يزن شيئا، و أتقن الجميع فن الخطابة و التبرير و الخداع .

أحزابنا و نخبنا السياسية تقول شيئا في المعارضة و تفعل النقيض لما تدبر و تحكم، و لا تجد ضيرا و هي ترأس الحكومة، في أن تصرخ بأنها لا تحكم، فصارت الحكومة معهم جميعا محكومة .
و مع كل هذا السوء و كل هذا التلوين و كل هذا التناقض، لا يملون و لا يعزفون، بل في كل استحقاق يترشحون و يدعون الناس للتصويت، فالغاية تبرر الوسيلة، هم يريدون الكرسي الوثير و التعويضات المريحة، و في سبيل ذلك يذرفون دموع التماسيح، و لا يفتحون الأفواه للمطالبة بتعديل الدستور لما تختل المقاييس و تتداخل المعايير و تلتبس العلاقات و الصلاحيات .
أحزابنا كانت كبيرة و كان زعماؤها عظاما لما كانت هموم الأمة هي الأولوية، فواكبوا القضية الوطنية، و ظلت قضايا الأمة هي الهاجس، لا يكتمون رأيا و لو كان يعبد طريقهم إلى سجن ميسور .

كان تاريخ المغرب يسكنهم و يوجههم و يرسم بوصلتهم، كانت ندواتهم و مداخلاتهم تقرن بين الهم الاجتماعي و المشاغل الوطنية، فالقضية الوطنية التي توجد اليوم في نفس منعطف 1981 لما كان الاستفتاء هو الطرح، كانت التصورات واضحة و المواقف جريئة، بخلاف ما هي عليه اليوم في منعطف الاقرار بمخرج الحكم الذاتي، فهل لأحزابنا رأي وجيه و قراءة أخرى تعضد و تدعم و تنبه و تجتهد، أم أن أحزابنا مجرد ذيل تابع، لا تجهد تفكيرها و لا تعصر دماغها، فكما أنه في الحكم الذاتي لا موقف لها و لا قرار و لا اقتراح، كذلك ظلت صامتة في قضية العرجة التي طفت أول أمس و في معضلة قصر أيش التي تفجرت أمس .

فأحزابنا تعتبر التفكير نوعا من الهم و هي تضع نفسها في منأى عن الهم و الانشغال بالهم، فهي لا تتحرك من تلقاء نفسها، بل تتحرك لما تهمز و يجر رسنها .

صارت أحزابنا اليوم صغيرة، يقودها انتهازيون و وصوليون، يشغل لبهم منصب أو مكسب أو استخلاف، صار الكرسي و مستتبعاته أولى من البلاد و العباد .

لا تجدد أحزابنا نخبها في مراكز القرار إلا في حالات السهو و الشرود، لكن قد يفاجيء الجميع تسلل في غفلة الحكم الرئيس، تماما كما في كرة القدم، فترتفع الأصوات النشاز، فكان بوعيدة و كان لخصم، لكن في جهتنا قلما تمرد أحد على نظام الأحزاب و صرخ في وجه البهتان، فهل سينجح ذلك المرشح الشاب الذي ركب صهوة جواد هزيل و عليل في تسلق جبال املشيل ؟ و هل سيوفق ذلك الشاب الذي يلوح بالغصن الأخضر وسط ضيعات بودنيب لينعش هامشنا القاحل ؟ و هل ستقلع الطائرة بربانها الكهل الذي ركنها منذ عدة ولايات في زاوية من مطار مولاي علي الشريف بعد أن ضاع منه المفتاح ؟ هل سيجدد الناخب النخبة و نسمع صوتا جهوريا يتمرد على الخطوط الحمر التي تسطرها الأحزاب ؟

Exit mobile version