ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: الرقمنة الضريبية والعقار بالمغرب: بين حماية الموارد الجبائية وتحديات الأمن القانوني للمواطن

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

يشهد النظام الجبائي المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة في إطار تنزيل مشروع الدولة الرقمية وتعزيز الحكامة المالية، حيث أصبح القطاع العقاري أحد أهم المجالات التي تعرف تشديداً في آليات المراقبة والتتبع والتحصيل. ولم يعد الأمر يتعلق فقط بأداء الضرائب المستحقة عند الشراء أو البيع أو الكراء، بل أصبح مرتبطاً بمنظومة إلكترونية متكاملة قادرة على تتبع المعاملات العقارية وربط قواعد البيانات بين مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية والمالية، بما فيها المديرية العامة للضرائب والمحافظة العقارية والجماعات الترابية والمؤسسات البنكية.

لقد اختار المغرب، انسجاماً مع التوجهات الدولية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومقتضيات الشفافية المالية ومكافحة التهرب الضريبي، الانتقال من منطق التصريح التقليدي إلى منطق التتبع الرقمي الشامل للمعاملات. وأصبحت الرسائل الإلكترونية والإشعارات الرقمية وسيلة قانونية للتواصل بين الإدارة الضريبية والملزمين في العديد من الإجراءات، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في مفهوم التبليغ الإداري والجبائي.

وتبرز أهمية هذا التحول في المجال العقاري بالنظر إلى الحجم الكبير للمعاملات المالية المرتبطة به، حيث يشكل العقار أحد أهم مصادر الثروة والاستثمار للأسر المغربية ولأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج. غير أن هذه الأهمية جعلته أيضاً مجالاً حساساً من حيث المراقبة الجبائية، خاصة مع استمرار بعض الممارسات غير القانونية المرتبطة بالتصريح الجزئي بالأثمان أو الأداء النقدي غير الموثق أو إخفاء بعض المداخيل الكرائية.

وفي سياق الإصلاحات المتتالية التي عرفها القانون المالي خلال السنوات الأخيرة، أصبح المشرع أكثر تشدداً تجاه الأداءات النقدية المرتفعة المرتبطة بالمعاملات العقارية، وذلك بهدف الحد من الاقتصاد غير المهيكل ومحاربة تبييض الأموال وضمان شفافية مصادر التمويل. وقد أدى ذلك إلى تقليص هامش المناورة أمام بعض الممارسات التي كانت منتشرة في السوق العقارية، والتي كانت تعتمد على التصريح بقيمة أقل من القيمة الحقيقية للعقار أو أداء جزء من الثمن خارج المساطر الرسمية.

أما بالنسبة للضريبة على الأرباح العقارية، فقد حرص المشرع المغربي على تحقيق نوع من التوازن بين حق الدولة في تحصيل مواردها المالية وحق المواطن في الاستفادة من إعفاءات مرتبطة بالسكن الرئيسي والاستقرار الاجتماعي. وتبقى هذه الإعفاءات من أهم الآليات التي تتيح للمواطنين تخفيف العبء الجبائي عند تفويت عقاراتهم، شريطة احترام الشروط القانونية المتعلقة بمدة الإقامة والتصريح والإجراءات الإدارية المطلوبة.

وفي المقابل، فإن العديد من المواطنين لا يولون الاهتمام الكافي للضرائب المحلية المرتبطة بملكية العقارات، وعلى رأسها الضريبة على السكن ورسوم الخدمات الجماعية. فالقانون يمنح تخفيضات وإعفاءات مهمة في حالات معينة، غير أن الاستفادة منها تظل رهينة بتسوية الوضعية الإدارية والجبائية للعقار وتحيين المعطيات لدى الجهات المختصة. كما أن تجاهل هذه الالتزامات قد يؤدي إلى تراكم الديون والذعائر والغرامات التي قد تتحول مع مرور الوقت إلى مبالغ تفوق أصل الضريبة نفسها.

ويكتسي موضوع الكراء العقاري بدوره أهمية متزايدة في ظل تشديد المراقبة على المداخيل العقارية. فالإدارة الجبائية أصبحت تعتمد على مصادر متعددة للمعلومات تسمح لها بمقاطعة المعطيات والكشف عن حالات عدم التصريح أو التصريح الناقص. كما أن الحصول على بعض الوثائق الإدارية أو إنجاز بعض المعاملات العقارية أصبح في كثير من الأحيان مرتبطاً بإثبات الوضعية الجبائية السليمة للعقار ولصاحبه.

إن التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة الضريبية المغربية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد أداة للرقابة أو التحصيل، بل يمثل أيضاً فرصة لتعزيز الأمن القانوني والشفافية وتبسيط المساطر الإدارية. فالمواطن الملتزم يجد اليوم إمكانية أكبر للوصول إلى خدمات إلكترونية متنوعة، وتسوية وضعيته عن بعد، والحصول على الوثائق والشهادات في آجال أقصر مما كان عليه الحال في السابق.

غير أن نجاح هذا التحول يظل رهيناً بتعزيز الثقافة الجبائية لدى المواطنين ونشر الوعي القانوني المرتبط بالمعاملات العقارية. فالكثير من النزاعات والغرامات لا تنتج عن سوء النية بقدر ما تنتج عن الجهل بالمقتضيات القانونية أو الاعتماد على ممارسات تقليدية لم تعد منسجمة مع البيئة الرقمية الجديدة التي أفرزتها الإصلاحات الجبائية الحديثة.

إن العقار لم يعد مجرد أصل مادي أو وسيلة للادخار والاستثمار، بل أصبح جزءاً من منظومة مالية ورقمية متكاملة تخضع لقواعد الشفافية والتتبع والمراقبة المستمرة. ومن ثم، فإن حماية الثروة العقارية للأفراد والأسر لم تعد تقتصر على حسن التدبير والاستثمار، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالامتثال للقواعد الجبائية واحترام الالتزامات القانونية والاستفادة الذكية من الإعفاءات والامتيازات التي يتيحها التشريع المغربي. وبين متطلبات العدالة الجبائية وحماية حقوق الملزمين، يظل الرهان الأساسي هو بناء علاقة متوازنة بين الإدارة والمواطن تقوم على الثقة والشفافية والمسؤولية المشتركة في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.

Exit mobile version