
عند النظر بعمق إلى واقع التدبير الإداري في جهة درعة تافيلالت، يتضح أن المسافة بينها وبين جهة بني ملال-خنيفرة لا تقاس بالكيلومترات فحسب، بل بعقود من الزمن في عقلية التسيير وطرق التدبير الترابي. فبينما يتحدث مسؤولو الجهات الأخرى عن “الجودة، السلامة المهنية، والتنمية المستدامة”، تبقى إدارة درعة تافيلالت غارقة في مستنقع من العشوائية، والمشاكل البنيوية العويصة مع الرأسمال البشري الذي يمثل عصب أي تنمية.
و تعيش إدارة الجهة على وقع أزمات ومشاكل عويصة ومستمرة مع موظفيها وأطرها، حيث بدل أن يشكل الموظف شريكا في التنمية، تحول في ظل التسيير الحالي إلى ضحية لغياب التحفيز، وضبابية الرؤية، والقرارات المزاجية، حتى أنهم يعانون في هذه الإدارة من غياب بيئة عمل سليمة تضمن كرامتهم وحقوقهم الأساسية، مما فجر محطات تنقيل تعسفي، وإقصاء من التكوين المستمر، وحرمان من التعويضات المستحقة، وإعمال مبدأ التمييز بين الأطر واستغلال تعويضات التنقل الوهمية وسيلة للترهيب او الترغيب، وهو ما قتل أي رغبة في العطاء والتفاني لخدمة قضايا المواطنين.
و يفقد مدبرو الإدارة بجهة درعة تافيلالت البوصلة الحديثة للحكامة؛ حيث تُدار الأمور بعقلية تسيير تقليدية يغلب عليها طابع التهميش وبسط النفوذ وتصفية الحسابات السياسية أو الضيقة، على حساب الكفاءة والمردودية، هذه البيئة الطاردة للكفاءات جعلت الأطر المؤهلة إما أن تنتقل الى جهات وادارات اخرى أو تبحث عن الانتقال لجهات أخرى أو تختار الصمت والانسحاب السلبي، مما أفرغ الإدارة من نخبتها القادرة على الابتكار.
بينما يطمح رئيس جهة بني ملال-خنيفرة أن تحدو باقي الجهات حدو جهته في قضايا حماية البيئة والسلامة، نجد أن رئيس جهة درعة تافيلالت عاجظ تماما عن التفكير في مثل هذه الملفات الحيوية، هذا العجز ليس ناتجاً عن قلة الموارد المالية فقط، بل عن قصور في الوعي والمخيلة التدبيرية لدى القائمين على الشأن الجهوي، الذين يفتقدون لبرامج حقيقية تعنى بسلامة الموظفين أو جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
على الرغم من أن الجهة تعتبر من أكثر المناطق هشاشة وتضررا من التغيرات المناخية، والجفاف، والفقر، إلا أن الإدارة ظلت عاجزة عن إبداع حلول ميدانية، واكتفت بالفرجة وإعادة إنتاج نفس آليات الفشل السابقة، فهذا القصور الإداري يعكس غياب الكفاءة التخطيطية لدى المسؤولين عن تدبير شؤون هذه الرقعة الجغرافية المحسوبة على المغرب العميق.
فلا يمكن لإدارة جهة درعة تافيلالت أن تحلم بالتفكير في معايير الجودة والاستدامة، وهي عاجزة حتى عن توفير السلم الإداري الداخلي وإنصاف موظفيها، حتى أن التدبير الحالي يكرس الفشل، ويعمق الفجوة التنموية بين الجهة وباقي جهات المملكة التي قطعت أشواطا كبيرا في التحديث وعصرنة مرافقها.