
لم تتح عبر كل الولايات السابقة فرصة لاتفاق المعارضة مع الأغلبية كما توفرت في هذه الولاية بين حزبي الاستقلال و العدالة و التنمية كمؤسستين، و بين سعيد كريمي و عبد الله هناوي كشخصين .
لكن الذي حدث كان على النقيض من ذلك، و اندلع خلاف كبير بين الرجلين و الحزبين، فتباينت المواقف و تعارضت الاختيارات، فما هي نقط الاتفاق و الاختلاف بين الطرفين ؟
تتقاطع المرجعية الفكرية بين حزب الاستقلال و العدالة و التنمية، و التقارب كبير بين الرجلين، فمرجعية الحزبين اسلامية مع الفارق الموجود بين الاسلام السياسي ذي المنطلقات المغربية كما نظر له علال الفاسي و محمد الفاسي، و الاسلام المشرقي كما هو متداول بين المفكرين المشارقة لاسيما المحسوبين منهم على التيار الإخواني، و رغم هذه التمايزات، فإنه التقارب الفكري المتاح على الساحة الوطنية القابل للتنفيذ و الأجرأة، و كان في الامكان أن يتأسس في الرشيدية تقاطع يردم جزء من الهوة التي وسعتها بعض الحسابات الانتخابية السابقة، لكن الاتجاه كان نحو القطيعة و العداء و تجلى ذلك في التلاسنات الحادة التي شهدتها بعض الدورات .
و على المستوى الشخصي فلأول مرة تشاء الصدف أن يتزعم الأغلبية و المعارضة مثقفان من المفترض أن يكونا متشبعين بالايمان بالاختلاف و امتلاك آليات تدبيره، كما يتميزان بنظافة اليد و إيلاء الأولوية للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة، مع فارق بسيط فسعيد كريمي يطغى عليه الجانب الثقافي في تكوينه على الجانب السياسي، و هو من النوع الذي لا يبحث عن تجميع رصيد من الاعجاب، كما أنه يميل لتجنب ممارسة السلطة بطريقة الآمر النافذ لما يقابل بأداء مخل بالتعاقدات لدي أشخاص أو مصالح، و هو ما لا ييسر مأموريته في تدبير الشأن العام، و يعرض شعبيته للتآكل أمام ناظريه، فيمد صدره ” للنيران الصديقة ” فيوثر أن يلوذ إلى ” مؤامرة الصمت ” على أن يلجأ إلى أسلوب الرد والفضح و التشهير، و اتخاذ القرارات الادارية التي تقوي حضوره و توسع نفوذه، فنزعته المثقفية تميل إلى اعتبار هذه الولاية مجرد تجربة لن يكررها إلا إذا وجد نفسه في ظروف مماثلة لتلك التي أنتجتها، و قذفت به في أتون السياسية و الاشراف على تدبير الشأن العام في محيط يوظف الدسائس و الغدر و الضرب تحت الحزام .
أما هناوي فمنذ أن ولج دوالب الشأن العام طلق الثقافة بالثلاث، و لا يلجأ إلى معينها، و على الأخص، في جنان مرجعيته و نسقه الفكري العام سوى لتقوية أو تبرير قرار سياسي، فالرجل سياسي بامتياز همه قناعته الفكرية و خطه المرجعي قبل كل شيء، لذلك كان نموذج السياسي الذي لا يتسامح لما يرى مصداقيته السياسية على المحك، فظل يزاوج بين العصا و الجزرة لاسيما مع الموظفين، أما مع رفاقه المنتخبين فساعدته كثيرا القوانين الحزبية التي تحتم الانضباط، فلم يواجه إلا لماما النيران الصديقة، و ظل ظهره شبه محمي، بل تمكن في غياب الشوباني أن يتحول إلى القائد الجهوي بعدما نجح في تحجيم خصوم ” الداخل ” .
و يختلف الرجلان كذلك في علاقتهما بسلطة الرقابة، ففي الوقت الذي كانت متشنجة مع عبد الله هناوي، تميزت مع سعيد كريمي في عهد الواليين السابق و اللاحق، بالود و الاحترام، و كانت هذه العلاقة المتباينة سببا في الصدام و الخلاف، فالهناوي كان ينتظر من كريمي أن يكمل الأوراش التي بقيت بعده مجمدة؛ و أن لا يوقف مسلسله في اللجوء إلى القضاء مع الوالي السابق في اطار ما كان يعتبره ” بلوكاج ” لمشاريعه التنموية و من ثمة لمشروعه السياسي .
إنه الصدام بين الثقافي و السياسي في أجلى صوره، فسعيد كريمي استراتيجية و هناوي تاكتيك، و على الرغم من حاجة الاستراتيجية للتاكتيك، و حاجة التاكتيك للاستراتيجية، فإنهما في الرشيدية فضلا التنافر و التنابذ و فوتا بذلك فرصة اجماع بين الأغلبية و المعارضة، فهي لو تحققت لفرزت النخبة الصالحة و عزلت الطالحة داخل جماعة الرشيدية، و الساكنة في حاجة لهذا الغربال الذي لن تفرزه الصناديق بل سينبثق من رحم نخبة متنورة و متسامحة تتجاوز المحدود السياسي إلى اللامحدود الثقافي .