
فجر رفض مجلس جهة درعة تافيلالت المصادقة على اتفاقية إحداث القطب الثقافي، التي سبق توقيعها بمدينة الرشيدية، نقاشاً قانونيا ومؤسساتيا واسعا حول مدى احترام المساطر المنظمة لإبرام اتفاقيات الشراكة، وحدود صلاحيات رئيس مجلس الجهة في الالتزام باسم المؤسسة قبل استكمال مسطرة التداول والمصادقة داخل المجلس، بعدما أُسقطت الاتفاقية خلال أشغال الدورة رغم توقيعها مسبقا وما تضمنته من التزامات مالية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن رئيس مجلس الجهة وقع الاتفاقية وتعهد بمساهمة مالية من ميزانية الجهة قبل إحالتها على المجلس الجهوي قصد مناقشتها والتصويت عليها، غير أن أعضاء المجلس اختاروا رفضها، وهو ما أفرز وضعا قانونيا يطرح تساؤلات بشأن مدى سلامة الإجراءات التي سبقت التوقيع، وحول الآثار المترتبة عن عدم اعتماد اتفاقية سبق أن تم توقيعها مع شركاء آخرين.
ويؤكد متابعون للشأن الترابي أن القوانين التنظيمية المؤطرة لاختصاصات مجالس الجهات تمنح الهيئة التداولية وحدها صلاحية البت في اتفاقيات الشراكة التي يترتب عنها التزام مالي، سواء بالموافقة أو الرفض، بعد مناقشتها داخل المجلس. ومن ثم، فإن الإقدام على توقيع اتفاقية قبل استكمال هذه المسطرة يثير نقاشاً حول مدى التقيد بمبادئ الحكامة الجيدة واحترام قواعد التدبير الحر التي يقوم عليها تدبير الجماعات الترابية.
وأمام هذا التطور، برزت عدة تساؤلات تتعلق بطبيعة التوقيع الذي سبق المصادقة، من بينها ما إذا كان مجرد إجراء تمهيدي يظل معلقاً على موافقة المجلس، أم أنه يعد التزاما رسميا باسم الجهة، إضافة إلى التساؤل حول مصير الالتزامات الواردة في الاتفاقية بعد رفضها، وما إذا كانت مختلف الأطراف الموقعة قد تم إشعارها بعدم اعتمادها من قبل المجلس.
وعلى المستوى السياسي، يعكس هذا الملف وجود تباين واضح بين الجهاز التنفيذي والهيئة التداولية داخل مجلس جهة درعة تافيلالت، وهو معطى قد يؤثر على صورة المؤسسة لدى شركائها، ويطرح علامات استفهام بشأن آليات إعداد الاتفاقيات الكبرى ومدى إشراك أعضاء المجلس في مختلف مراحل بلورتها قبل الالتزام بها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع ذات أبعاد مالية واستراتيجية.
كما يعيد هذا المستجد إلى الواجهة النقاش حول مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لاسيما إذا ثبت أن توقيع الاتفاقية تم خارج الضوابط القانونية أو قبل استكمال الإجراءات الواجبة. غير أن البت في وجود أي مخالفة قانونية أو ترتيب أي مسؤولية يظل اختصاصا حصريا للجهات الرقابية والقضائية المختصة، وفق ما تنص عليه القوانين الجاري بها العمل.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات إلى تقديم توضيحات رسمية من طرف رئاسة مجلس الجهة بشأن الخلفيات القانونية والإدارية التي استندت إليها في توقيع الاتفاقية قبل عرضها على المجلس، مع الكشف عن التدابير التي سيتم اتخاذها عقب رفضها، بما يضمن وضوح الرؤية أمام الرأي العام والشركاء المؤسساتيين.
ويبقى المؤكد أن احترام الاختصاصات بين الأجهزة التنفيذية والهيئات التداولية يشكل ركيزة أساسية في تدبير الشأن الجهوي، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد إجراءات شكلية، بل بضمانات قانونية ترسخ الشفافية، وتحمي المال العام، وتعزز المشروعية، وتكرس ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، انسجاماً مع مقتضيات الدستور والقوانين التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية.






