التوقف الشامل للمحامين بين الشرعية الدستورية وضمانات المحاكمة العادلة؛ تعليق على قرارات محكمة الاستئناف بالعيون المغربية :

بقلم د سيدي محمد رشيد حاميدي ؛ محام عضو المجلس بهيئة مكناس  الرشيدية ، ورئيسا للجنة المنازعات والشؤون القانونية بجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان .

إذا كانت العدالة تقوم على ثلاثية القضاء والنيابة العامة والدفاع ، فإن المحاماة ليست مجرد مهنة حرة تقدم خدمة قانونية ، وإنما مؤسسة دستورية تؤدي وظيفة أصيلة في حماية الحقوق والحريات ، وتساهم في تحقيق الأمن القضائي وسيادة القانون . لذلك فإن استقلال المحاماة لا يمثل امتيازا مهنيا ، بل هو ضمانة دستورية لحق المواطن في الولوج إلى العدالة وفي التمتع بمحاكمة عادلة . ولقد كرس دستور المملكة المغربية لسنة 2011 هذا التصور عندما جعل من الحق في التقاضي حقا مضمونا للجميع ، وأقر في الفصل 120 بأن : ” لكل شخص الحق في محاكمة عادلة ، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول ” . ولا يمكن تصور محاكمة عادلة دون دفاع حر ومستقل ، لأن العدالة لا تتحقق بمجرد حضور القاضي ، وإنما بقيام الخصومة القضائية على أساس التكافؤ بين أطرافها واحترام حقوق الدفاع . ومن ثم ، فإن الدفاع ليس وظيفة ثانوية في سير العدالة ، وإنما هو أحد أعمدتها ، وهو ما يجعل استقلال المحاماة جزءا من النظام الدستوري للعدالة ، وليس مجرد تنظيم مهني .

 – التوقف الشامل عن العمل باعتباره وسيلة لحماية استقلال الدفاع :

إن حق المحامين في التوقف الشامل عن العمل يجد أساسه في المبادئ الدستورية المتعلقة بحرية التنظيم والتعبير والدفاع عن المصالح المهنية ، وفي المكانة الخاصة للمحاماة باعتبارها شريكا في تحقيق العدالة . ولا ينبغي النظر إلى هذا التوقف باعتباره إضرابا بالمفهوم التقليدي الذي ينظم علاقة الأجير بالمشغل ، لأن المحامي لا يخضع لعلاقة تبعية ، وإنما يمارس مهنة مستقلة ذات رسالة دستورية . ولذلك فإن التوقف الجماعي عن العمل ، متى كان هدفه حماية استقلال المهنة أو الدفاع عن الضمانات الأساسية للتقاضي أو التصدي لتشريعات تمس بحقوق الدفاع ، يعد شكلا من أشكال التعبير المهني المشروع ، شريطة أن يمارس في إطار القانون وبما يراعي التوازن بين استقلال الدفاع وضمان حقوق المتقاضين . وعليه فإن مشروعية هذا التوقف لا تستمد فقط من حرية التنظيم المهني فحسب ، بل أيضا من واجب المحامي في الدفاع عن استقلال المهنة باعتباره شرطا لازما لاستقلال القضاء نفسه ، لأن قضاء مستقلا لا يمكن أن يقوم في غياب دفاع مستقل .

– الحق في الدفاع ضمانة دستورية لا يمكن تعطيلها .

إن الحق في الدفاع من الحقوق الأساسية ذات الطبيعة الدستورية ، وهو حق للمتقاضي قبل أن يكون حقا للمحامي . وقد أكد الفصل 120 من الدستور ، كما أكدت المواثيق الدولية ، وعلى رأسها المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، أن لكل شخص الحق في أن تتاح له الوسائل الكافية لإعداد دفاعه والاستعانة بمحام يختاره . كما تنص المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين ، المعتمدة في مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ( هافانا – 1990 ) على ضرورة تمكين المحامين من أداء مهامهم باستقلال تام ، ودون أي ضغط أو تدخل أو تهديد ، باعتبار ذلك جزءا من ضمانات المحاكمة العادلة . ومن ثم ، فإن حضور الدفاع لا يمثل إجراء شكليا ، وإنما ضمانة جوهرية لتحقيق مبدأ المواجهة ، وتكافؤ وسائل الدفاع ، والمساواة بين الخصوم ، واحترام حقوق الإنسان في المجال القضائي .

– أثر السير في القضايا أثناء التوقف الشامل للمحامين

إن الإصرار على مواصلة المحاكمات أثناء توقف شامل للمحامين يثير إشكالا دستوريا يتعلق بمدى احترام الحق في الدفاع . فإذا كان التوقف عاما ومعلنا ، ويحول عمليا دون مؤازرة المتقاضي من قبل محاميه ، فإن مباشرة الإجراءات رغم ذلك قد تؤدي إلى إفراغ الحق في الدفاع من مضمونه الحقيقي ، لأن هذا الحق لا يقتصر على مجرد الإمكانية النظرية للاستعانة بمحام ، بل يقتضي تمكين المتقاضي فعليا من ممارسة هذا الحق في ظروف معقولة . ومن المبادئ المستقرة في الفقه الدستوري والقضاء المقارن أن الحقوق الأساسية لا يكفي الاعتراف بها شكليا ، بل يجب أن تكون فعالة ومنتجة لآثارها العملية . ولذلك فإن أي إجراء يجعل ممارسة حق الدفاع مستحيلة أو شديدة الصعوبة قد يمس بجوهر الحق في المحاكمة العادلة . ولهذا ، فإن استمرار المحاكم في نظر القضايا التي يكون حضور المحامي فيها لازما أو جوهريا ، دون توفير ضمانات تكفل ممارسة حق الدفاع ، قد يؤدي إلى قيام إخلال جوهري بالإجراءات ، يفتح المجال للطعن في الأحكام الصادرة على أساس انتهاك حقوق الدفاع .

– الأحكام الصادرة في غياب الدفاع ومدى مشروعيتها .

من الناحية القانونية ، لا يمكن القول إن جميع الأحكام الصادرة أثناء توقف المحامين تكون باطلة بقوة القانون ، لأن البطلان في القانون الإجرائي لا يفترض ، وإنما يقوم على وجود نص أو على ثبوت وقوع ضرر ناتج عن إخلال جوهري بضمانة أساسية . غير أن هذا المبدأ لا يمنع من القول إن الحكم الذي يصدر في ظروف حرم فيها المتقاضي فعليا من مؤازرة دفاعه ، أو تعذر عليه إعداد دفاعه بسبب التوقف المهني العام ، قد يكون مشوبا بعيب يمس شرعية المحاكمة ذاتها ، إذا ثبت أن هذا الحرمان أثر في حقوق الدفاع أو في مبدأ تكافؤ الخصوم . ومن ثم ، فإن مناط الرقابة القضائية لا يكون مجرد وقوع التوقف ، وإنما مدى تأثيره الفعلي في ضمانات المحاكمة العادلة ، ومدى اتخاذ المحكمة للإجراءات الكفيلة بحماية حق الدفاع ، كالتأجيل أو تمكين الأطراف من ممارسة حقوقهم الإجرائية بصورة فعالة . إن القضاء العادل لا يقوم دون دفاع مستقل ، كما إن استقلال القضاء واستقلال المحاماة ليسا مبدأين متعارضين ، وإنما ضمانتان متكاملتان . فكلما تعرض الدفاع للإضعاف ، انعكس ذلك على جودة العدالة وثقة المجتمع في القضاء . فالعدالة ليست مجرد إصدار الأحكام ، وإنما هي احترام الإجراءات التي تكفل الوصول إلى الحقيقة في إطار من المساواة والإنصاف . ولذلك فإن حماية استقلال المحاماة هي في حقيقتها حماية لحق المواطن في محاكمة عادلة ، وليست دفاعا عن مصلحة فئوية .

– نازلة العيون ؛ والسياق الذي أنتج اللامعنى .

لماذا كان الحكم الصادر من محكمة العيون محل تساؤل دستوري من لدن الكثيرين ، إذ لم يكن الجدل الذي أثاره الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بالعيون مرده إلى مضمونه أو إلى السلطة التقديرية للمحكمة ، وإنما إلى السياق الدستوري والإجرائي الذي صدر فيه . فالعدالة في دولة القانون لا تُقاس فقط بسلامة منطوق الأحكام ، وإنما بسلامة الطريق الذي يؤدي إليها . ذلك أن الشرعية الإجرائية هي المدخل الطبيعي للشرعية القضائية ، ولا يمكن لحكم أن يكتسب كامل مشروعيته إذا أحاطت بصدوره ظروف تثير شبهة المساس بضمانات الدفاع . ولقد جاء هذا الحكم في ظل توقف مهني شامل أعلنت عنه هيئات المحامين ، وهو توقف لم يكن موجها ضد القضاء ، وإنما كان تعبيراً عن موقف مهني يتعلق بالدفاع عن استقلال المحاماة وضمانات العدالة . وكان مقتضى هذا الظرف الاستثنائي أن تُغلَّب الحماية الدستورية للحق في الدفاع على الاعتبارات المرتبطة باستمرار السير العادي للجلسات ، لأن الحقوق الدستورية لا يجوز أن تصبح ضحية للتدبير الإداري للمرفق القضائي . ومن هنا يبرز السؤال المشروع : لماذا اختيرت الإستمرارية الإجرائية في لحظة كان فيها الدفاع غائبا بفعل توقف مهني عام ؟ ولماذا لم يُقدم مبدأ المحاكمة العادلة على اعتبارات السرعة في البت ؟ إن هذه الأسئلة لا تمس استقلال المحكمة ، ولا تنال من نزاهة قضاتها ، وإنما تنبع من مقتضيات الرقابة الدستورية على احترام حقوق الدفاع ، باعتبارها من النظام العام الدستوري . وأستحضر هنا إن الفصل 120 من الدستور لا يضمن الحق في صدور حكم داخل أجل معقول فحسب ، بل يربط ذلك ارتباطا عضويا بالحق في محاكمة عادلة . وهذا الربط يفيد أن العدالة لا تختزل في عنصر الزمن ، وإنما تقوم على ضمانات متكاملة ، في مقدمتها حق المتقاضي في مؤازرة دفاعه ، وتمكينه من عرض أوجه دفاعه في ظروف تحقق المساواة بين الخصوم . لذلك فإن أي ممارسة إجرائية تؤدي عمليا إلى إفراغ هذا الحق من مضمونه تثير شبهة عدم الانسجام مع الفلسفة الدستورية للعدالة . إن أخطر ما يمكن أن يترتب على صدور أحكام في غياب الدفاع ليس فقط احتمال الإخلال بحقوق أحد الخصوم ، وإنما خلق انطباع عام بأن المحاكمة يمكن أن تستمر ولو تعطلت إحدى أهم ضماناتها . وهذا التصور يتعارض مع مفهوم العدالة الدستورية ، لأن القضاء لا يكتسب هيبته من إصدار الأحكام في كل الأحوال ، وإنما من حرصه على أن تصدر تلك الأحكام في إطار يحترم بصورة كاملة حقوق الدفاع ، ومبدأ المواجهة ، وتكافؤ الوسائل ، والإنصاف الإجرائي . ولذلك ، فإن النقاش الذي أثاره الحكم الصادر بالعيون المغربية يجب ألا يُفهم باعتباره اعتراضا على سلطة المحكمة في الفصل في النزاعات ، وإنما باعتباره دفاعا عن مبدأ أسمى ، وهو أن العدالة الدستورية لا تكتمل إلا إذا حضر الدفاع حضورا فعليا ، لا حضورا شكليا ، وأن المشروعية الإجرائية تسبق المشروعية الموضوعية . فالحكم القضائي لا يمكن ان  يكون سليما في منطقه القانوني ، و يبقى معرضا للنقاش إذ انه صدر في ظروف يثار بشأنها احتمال الإنتقاص من حق الدفاع ، لأن احترام الإجراءات ليس شكلا فارغا ، بل هو الضمانة الأولى لثقة المجتمع في القضاء . لاسيما ان هذه الربوع الشريفة من المملكة ينبغي ان تعطي درسا في الاخترام التام لحقوق الانسان وخصوصا ضمان المحاكمة العادلة تفاديا لأي تفسير او تأويل ممن يتربص بهذا الوطن الخبيب

في الختام : 

إن الدولة التي تؤمن بسيادة القانون لا تقيس العدالة بعدد الأحكام الصادرة ، وإنما بمدى احترامها للضمانات الدستورية التي تحيط بإصدار تلك الأحكام . ويظل الحق في الدفاع الضمانة الأسمى للمحاكمة العادلة ، بحيث إن كل مساس فعلي بهذا الحق ينعكس مباشرة على شرعية العملية القضائية .وعليه فإن التوقف الشامل للمحامين ، متى كان مشروعا وموجها لحماية استقلال الدفاع وضمانات العدالة ، لا ينبغي أن يعالج بمنطق استمرارية الإجراءات القضائية وحده ، بل بمنطق حماية الحقوق الدستورية للمتقاضين . فالقضاء العادل لا يتحقق بحضور القاضي وحده ، وإنما بحضور دفاع حر ومستقل ، لأن العدالة التي تُفقد فيها ضمانات الدفاع قد تستوفي شكلها الإجرائي ، لكنها تفقد جوهرها الدستوري .

Exit mobile version