ذ. السليماني مولاي عبد الله يكتب: إغلاق المعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية الفندقية والسياحية بأرفود… خسارة لرأسمال بشري واستثماري تحتاج إلى مراجعة

بقلم: الأستاذ السليماني مولاي عبد الله

في الوقت الذي جعلت فيه المملكة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، من الرأسمال البشري والتكوين المهني ركيزة أساسية للنموذج التنموي الجديد، يبرز ملف إغلاق المعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية الفندقية والسياحية بأرفود باعتباره أحد الملفات التي تستحق إعادة التقييم، بالنظر إلى الدور الذي اضطلعت به هذه المؤسسة لعقود في تكوين الكفاءات السياحية والفندقية بجهة درعة تافيلالت.

فقد شكل المعهد، منذ إحداثه، مدرسة مهنية حقيقية في مجالات الفندقة والإيواء والاستقبال والمطعمة وفنون الطبخ والتدبير الفندقي، واستطاع أن يزود سوق الشغل الوطني والدولي بأطر وتقنيين مشهود لهم بالكفاءة والانضباط. ولم يكن اسمه مرتبطاً فقط بالتكوين، بل ارتبط أيضاً بجودة الخريجين الذين التحق عدد كبير منهم بمؤسسات فندقية وسياحية مرموقة داخل المغرب وخارجه، حيث يشغل بعضهم اليوم مناصب إشرافية وإدارية برواتب شهرية تتجاوز 25 ألف درهم، وهو ما يعكس القيمة المضافة التي وفرها هذا التكوين المهني التطبيقي.

ولم يكن نجاح المؤسسة وليد الصدفة، بل كان نتيجة اعتمادها على فلسفة تكوين قائمة على الممارسة والاحتكاك المباشر بالمهنة، من خلال أطر مهنية راكمت سنوات طويلة من الخبرة داخل الفنادق والمطاعم والمؤسسات السياحية، فكان الطالب يتخرج وهو يمتلك مهارات عملية تؤهله للاندماج السريع في سوق الشغل.

وتؤكد وثائق قوانين المالية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية أن الدولة كانت تخصص اعتمادات سنوية لتسيير المعهد، بلغت في بعض السنوات حوالي 2.99 مليون درهم، وهو مبلغ ظل يوجه لتغطية نفقات التسيير والتأطير والتكوين، في إطار دعم مؤسسات التكوين التابعة لقطاع السياحة. وإذا ما قورنت هذه الميزانية المحدودة بالعائد الاقتصادي والاجتماعي الذي حققته المؤسسة، يتبين أنها لم تكن عبئاً على المالية العمومية، بل استثماراً ناجحاً في الرأسمال البشري.

غير أن المؤسسة أغلقت أبوابها نهائياً خلال سنة 2021، وتم تحويل أرشيفها الإداري إلى المعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية الفندقية والسياحية بورزازات، لتتوقف بذلك مؤسسة كانت مرجعاً للتكوين السياحي بالجنوب الشرقي للمملكة.

ويأتي هذا الإغلاق في وقت تعرف فيه جهة درعة تافيلالت توسعاً في النشاط السياحي، حيث تضم أرفود والرشيدية والريصاني ومرزوكة وتنغير وزاكورة عشرات الفنادق المصنفة ودور الضيافة والمخيمات السياحية والمطاعم والمقاهي، فضلاً عن احتضان أرفود للمعرض الدولي للتمور، الذي يشكل موعداً اقتصادياً وسياحياً بارزاً.

ورغم هذه الدينامية، يشتكي العديد من المهنيين من صعوبة متزايدة في إيجاد موارد بشرية مؤهلة، سواء بالنسبة للفنادق أو المطاعم أو المقاهي أو مؤسسات الإيواء السياحي، بل إن المؤسسات الفندقية المصنفة، وخاصة ذات الأربع والخمس نجوم، أصبحت تواجه تحديات حقيقية في استقطاب كفاءات محلية تستجيب للمعايير المهنية المطلوبة، مما يضطر بعضها إلى البحث عن أطر من مدن أخرى أو الاستثمار في تكوين المستخدمين بعد توظيفهم.

كما أن تحويل المتدربين إلى مؤسسات أخرى غلب عليها الطابع الأكاديمي أدى إلى تغير في طبيعة التكوين. فبينما كان معهد أرفود يعتمد بدرجة كبيرة على التأطير التطبيقي من طرف مهنيين ممارسين للقطاع، أصبحت بعض مسارات التكوين تعتمد أكثر على التأطير الأكاديمي. ولكل نموذج أهميته، غير أن قطاع الضيافة يعتمد بطبيعته على اكتساب المهارات العملية والاحتكاك المباشر بالمهنة. ويرى عدد من المهنيين أن هذا التحول جعل العديد من المؤسسات الفندقية تخصص فترات إضافية لإعادة التأهيل والتكوين الداخلي قبل تمكين الخريجين من تحمل المسؤوليات المهنية، وهو ما يزيد من كلفة التشغيل ويؤخر الاندماج في سوق العمل.

إن جهة درعة تافيلالت لا تحتاج فقط إلى تشييد فنادق جديدة أو تشجيع الاستثمار السياحي، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسة متخصصة في صناعة الكفاءات التي ستدير هذه الاستثمارات. فالسياحة ليست بنايات فحسب، وإنما موارد بشرية مؤهلة، قادرة على تقديم خدمات ترقى إلى المعايير الوطنية والدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة استغلال بناية المعهد، سواء بإعادة فتح المؤسسة أو بإحداث قطب حديث للتكوين في مهن السياحة والضيافة، أصبح مطلباً تنموياً يستجيب لحاجيات الجهة ولسوق الشغل. كما أن تطوير برامج التكوين لتشمل السياحة الرقمية، والسياحة المستدامة، وإدارة الفنادق الذكية، واللغات الأجنبية، والتسويق السياحي، من شأنه أن يعزز تنافسية الجهة ويواكب التحولات التي يعرفها القطاع.

لقد أثبتت تجربة معهد أرفود أن الاستثمار في الإنسان يحقق عائداً يفوق بكثير كلفته المالية. فالميزانية السنوية التي كانت تخصص للمؤسسة لا تقارن بما وفرته من فرص شغل، ولا بما ساهمت به في تحسين جودة الخدمات السياحية، ولا بما حققته من إشعاع للمنطقة عبر خريجيها داخل المغرب وخارجه.

واليوم، وبعد مرور سنوات على إغلاق هذه المؤسسة، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح نقاش مؤسساتي هادئ ومسؤول حول مستقبل التكوين الفندقي بجهة درعة تافيلالت، انطلاقاً من معطيات موضوعية وحاجيات سوق الشغل، حتى تستعيد الجهة إحدى أهم روافعها في إعداد الكفاءات، وتواصل المساهمة في تنزيل الرؤية الملكية الرامية إلى جعل التكوين المهني محركاً للتشغيل والتنمية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

Exit mobile version