“حرائق الواحات في الجنوب الشرقي المغربي: أزمة تتجاوز الصيف”

محمد السلمي 

طالب باحث في التواصل السياحي وتثمين التراث

مع كل صيف، تتكرر الحرائق في واحات الجنوب الشرقي المغربي، تاركة وراءها خسائر تتجاوز أشجار النخيل لتطال الاقتصاد المحلي والتوازن البيئي وذاكرة المكان. هذا التحقيق يستقصي أسباب الظاهرة، ويستند إلى معطيات رسمية صادرة عن الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، وتقارير صحفية متخصصة، ليطرح سؤالاً مركزياً: هل يتعلق الأمر بمنعطف مناخي موسمي، أم باختلالات بنيوية تجعل هذه الحرائق أكثر قابلية للاندلاع والانتشار عاماً بعد آخر؟

مع الساعات الأولى من النهار، كان الهدوء يلف إحدى واحات الجنوب الشرقي المغربي، قبل أن يتصاعد فجأة دخان كثيف من بين أشجار النخيل، وتمتد ألسنة اللهب مدفوعة برياح الصيف لتلتهم مساحات واسعة خلال وقت قصير،هرع السكان لاحتواء الحريق بوسائل بسيطة، بينما شقت فرق الوقاية المدنية طريقها عبر مسالك ضيقة تحيط بها البساتين والأسوار الطينية.

يتكرر هذا المشهد كل عام تقريباً في واحات أقاليم الرشيدية وزاكورة وطاطا وغيرها من مناطق الجنوب الشرقي، ومع كل حادث جديد تتجدد الأسئلة ذاتها حول أسباب هشاشة هذه المنظومة البيئية، وحول قدرة التدابير الحالية على الحد من تكرارها، ولا تتوقف الخسائر عند فقدان آلاف أشجار النخيل أو تراجع إنتاج التمور خلال موسم واحد، غير أنها تمتد إلى منظومة بيئية متكاملة تشكل مصدر عيش لآلاف الأسر، وتحمل قيمة تاريخية وثقافية تعكس علاقة الإنسان بالمجال الواحي عبر قرون من التكيف مع البيئة الصحراوية.

يرى باحثون في قضايا البيئة والتنمية أن حرائق الواحات لا يمكن قراءتها بوصفها حوادث معزولة، لأنها تعكس تحولات أعمق يشهدها المجال الواحي، من تراجع الموارد المائية إلى هجرة اليد العاملة وتغير أنماط استغلال الأراضي وارتفاع الضغط المناخي، وهي عوامل تضع الواحات أمام تحديات متشابكة تتجاوز حدود الحرائق الموسمية.

من أين تبدأ النار؟…

لا تندلع حرائق الواحات نتيجة عامل واحد، ولا يمكن اختزالها في موجة حر عابرة أو شرارة طائشة، فالمعطيات المتوفرة ترسم صورة أكثر تعقيداً، تتقاطع فيها ثلاثة مستويات من الأسباب:

المستوى المناخي: شهد الجنوب الشرقي المغربي خلال العقد الأخير موجات حر متكررة، وارتفاعاً في عدد الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة الأربعين درجة مئوية، ومع توالي سنوات الجفاف، انخفضت رطوبة التربة، وجفت أجزاء واسعة من الغطاء النباتي، فأصبح سعف النخيل اليابس والأعشاب الجافة وقوداً جاهزاً لأي شرارة، ويؤكد مختصون في البيئة أن الجفاف غيّر البنية الإيكولوجية للواحات نفسها، إذ فقدت كثير من الأشجار قدرتها الطبيعية على مقاومة النيران.

المستوى البشري والتدبيري: على امتداد عقود، كانت الواحات تُدار وفق أعراف محلية دقيقة، تشمل حملات دورية لتنظيف البساتين وإزالة الجريد اليابس وصيانة السواقي والخطارات وفتح الممرات بين الحقول، غير أن التحولات الاقتصادية وهجرة الشباب نحو المدن أفقدا كثيراً من الواحات اليد العاملة التي كانت تتولى هذه المهام، فتراكمت المخلفات النباتية بين أشجار النخيل، وارتفع مستوى الخطر مع كل صيف، وتشير دراسات متخصصة إلى أن تراجع هذه الأعراف التقليدية في تدبير المجال الواحي يُعد أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تفاقم الظاهرة، وإلى جانب ذلك، ترتبط بعض الحرائق بممارسات مباشرة، كحرق المخلفات الزراعية، أو الاستعمال غير الآمن للنار داخل البساتين، أو أعقاب السجائر، أو حالات تماس كهربائي، فيما تبقى أسباب بعض الحوادث قيد التحقيق.

المستوى الجغرافي: لا يقف الحريق، إذا اندلع، عند حدود النخلة الأولى، إذ تدفع الرياح الجافة ألسنة اللهب بسرعة بين الأشجار المتقاربة، بينما يسهّل ارتفاع النخيل وكثافته انتقال النار من بستان إلى آخر خلال دقائق، وتزداد صعوبة التدخل بسبب ضيق المسالك الترابية، وتشابك الأغراس، ووجود أسوار طينية تحيط بالحقول، ما يعقّد وصول آليات الإطفاء إلى قلب الواحة، خصوصاً حين يكون الحريق قد اكتسب مساحة واسعة.

ما تقوله الأرقام…

بحسب معطيات الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، سُجل في الواحات المغربية 2393 حريقاً بين سنة 2009 ويونيو 2024، أتت على نحو 172,592 نخلة، على مساحة إجمالية بلغت 1423 هكتاراً، بمعدل وطني يقارب 170 حريقاً سنوياً يلتهم نحو 16 ألف نخلة، واستحوذت أقاليم طاطا والرشيدية وكلميم وحدها على نحو 82 في المئة من مجموع المساحات المحترقة، في مؤشر واضح على تفاوت درجة الهشاشة بين الواحات المغربية، ويكشف المعدل التفصيلي أن كل حريق يلتهم في المتوسط 0.6 هكتار و72 نخلة، وهي أرقام تكتسب دلالة أكبر إذا استحضرنا أن المغرب يتوفر على نحو 90 واحة نخيل، تمتد على 64 ألف هكتار، وتضم أكثر من 7.2 مليون نخلة، يعيش من حولها أكثر من مليوني نسمة موزعين على ثمانية أقاليم، أبرزها في جهة درعة تافيلالت.

ولا تقتصر الخسارة على عدد الأشجار، فكل نخلة مثمرة تحتاج سنوات طويلة حتى تبلغ مرحلة الإنتاج الكامل، ما يجعل آثار الحريق تمتد لمواسم متعاقبة، وتنعكس مباشرة على دخل الأسر الفلاحية وسلسلة إنتاج التمور وتسويقها.

خسائر تتجاوز النخيل…

حين تخمد ألسنة اللهب، تبدأ مرحلة أخرى أقل حضوراً في التغطية الإعلامية وأكثر عمقاً في حياة السكان:

اقتصادياً، يتحرك اقتصاد القرى الواحية وفق إيقاع الموسم الفلاحي، فمع كل حريق واسع يخسر الفلاح إنتاجه، ويفقد العامل الموسمي فرصة عمله، ويواجه التاجر تراجعاً في المعروض، فيما تنخفض حركة الأسواق المحلية المرتبطة بموسم جني التمور، ويرى خبراء في التنمية المجالية أن تكرار هذه الحرائق يضاعف هشاشة الاقتصاد الواحي، في ظل محدودية البدائل الاقتصادية وارتفاع كلفة إعادة تأهيل البساتين المتضررة.

بيئياً، تؤدي الواحات دوراً يتجاوز الإنتاج الزراعي، إذ تشكل حاجزاً طبيعياً يحد من زحف الرمال، وتوفر موائل للكائنات الحية، وتساهم في تلطيف المناخ المحلي، وحين تلتهم الحرائق هذه المنظومة، تتراجع قدرة التربة على الاحتفاظ بالرطوبة، ما يرفع من قابلية المنطقة للتصحر، وهو تحدٍّ يواجه عدداً من المجالات الواحية في شمال أفريقيا عموماً.

ثقافياً،  تحمل الواحة قيمة اجتماعية عميقة، إذ تنسج بين أشجار النخيل علاقات اجتماعية، وتنتقل الخبرات الزراعية بين الأجيال، فكل نخلة معمرة تحمل جزءاً من ذاكرة المكان، بعضها غرسه الأجداد، وبعضها ارتبط بمحطات شكلت تاريخ الأسر والقبائل، لذلك يشعر كثير من السكان بأن الحريق يمس جانباً من هويتهم الجماعية، لا الممتلكات الزراعية وحدها.

سياحياً، أصبحت الواحات خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز الوجهات التي تستقطب باحثين عن السياحة البيئية والثقافية، وتروج المؤسسات السياحية للجنوب الشرقي بوصفه فضاءً يجمع بين القصور التاريخية والواحات والصحراء وأنظمة الري التقليدية، غير أن تكرار الحرائق يترك أثراً مباشراً على جاذبية هذه المجالات، إذ تتحول المساحات الخضراء إلى مشاهد سوداء تستغرق سنوات لاستعادة رونقها، وهو ما يدفع مهنيين في القطاع إلى اعتبار حماية الواحات جزءاً من استراتيجية الحفاظ على تنافسية السياحة الطبيعية في المنطقة.

من يطفئ الحرائق، ومن يمنع اندلاعها؟

تكشف حرائق الواحات عن مفارقة واضحة؛ فكلما اندلع حريق، تتسابق مختلف الأجهزة إلى تطويقه، لكن المشهد يعيد نفسه بعد أسابيع أو أشهر في واحة أخرى، فيما تبقى الأسباب التي مهدت له قائمة، وهذا التكرار يطرح سؤالاً يتجاوز سرعة التدخل، ويتعلق بمدى قدرة السياسات العمومية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر.

تتقاسم عدة مؤسسات مسؤولية حماية الواحات، من الوقاية المدنية إلى الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، مروراً بقطاع المياه والغابات والسلطات والجماعات الترابية والتعاونيات المحلية، ويرى العديد من الباحثين في الحكامة الترابية أن حماية الواحات تتطلب تنسيقاً دائماً بين هذه الأطراف، لأن نجاح كل مؤسسة في أداء جزء من مهامها لا يضمن بالضرورة فعالية المنظومة ككل، فالوقاية تبدأ قبل موسم الصيف، عبر التخطيط المشترك وتقاسم البيانات وتحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر.

وتقدم تجارب دولية، من إسبانيا إلى البرتغال وإيطاليا، نموذجاً لخطط استباقية تقوم على تنظيف الغطاء النباتي، وإحداث ممرات عازلة، واستعمال تقنيات الاستشعار عن بعد والطائرات المسيّرة والخرائط الرقمية لتحديد بؤر الخطر، مع إشراك السكان في منظومة الإنذار المبكر، وتؤكد هذه التجارب أن الاستثمار في الوقاية يقلص حجم الخسائر وكلفة التدخل اللاحق، وأن نجاح أي خطة يبقى مرهوناً بإشراك المجتمعات المحلية، بوصفها الأكثر معرفة بخصوصيات المجال والأسرع في رصد أي مؤشر غير طبيعي، وفي الحالة المغربية، يذهب عدد من الخبراء إلى أن المجال الواحي يحتاج إلى برنامج دائم للصيانة، يشمل إزالة الجريد اليابس، وتأهيل المسالك، وصيانة قنوات الري، وإعداد خرائط للمخاطر، إلى جانب تحسيسية سنوية تسبق فصل الصيف.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تطوراً في استخدام الأدوات الرقمية لرصد الحرائق، من الصور الآنية التي توفرها الأقمار الصناعية إلى الطائرات المسيّرة القادرة على مراقبة المساحات الوعرة، وصولاً إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تحلل البيانات المناخية وتساعد على توقع المناطق الأكثر عرضة لاشتعال النيران ، فيما يرى مختصون في إدارة المخاطر أن دمج هذه الأدوات مع المعارف المحلية لسكان الواحات يمكن أن يرفع من فعالية منظومة الوقاية، ويمنح المتدخلين وقتاً أكبر للتحرك قبل اتساع رقعة الحريق.

الواحة قضية تنموية لا بيئية فقط

يكشف هذا التحقيق أن حرائق الواحات لا ترتبط بالمناخ وحده، ولا تختزل في حادث موسمي عابر، فالنار تجد طريقها وسط منظومة تواجه ضغوطاً متراكمة، من ندرة المياه إلى تغير المناخ وتراجع الصيانة التقليدية وهجرة اليد العاملة وتزايد هشاشة الاقتصاد المحلي، ومن هذا المنطلق، تصبح حماية الواحات جزءاً من مشروع تنموي متكامل، يربط بين الأمن البيئي والتنمية الفلاحية والحفاظ على التراث وتعزيز السياحة المستدامة وتحسين ظروف عيش السكان.

في الجنوب الشرقي المغربي، تبقى النخلة أكثر من مجرد شجرة مثمرة؛ فهي شاهد على تاريخ طويل من التعايش بين الإنسان والصحراء، ورمز لاقتصاد محلي تشكل عبر أجيال، لكن يبقى السؤال الذي يفرضه هذا التحقيق حول تجاوز سرعة إخماد النيران بعد اندلاعها، ليطرح رهاناً أوسع: هل يبدأ مستقبل الواحات بإعادة بناء ثقافة الوقاية، وتعزيز تدبير المجال، واستثمار المعرفة العلمية إلى جانب الخبرة المحلية؟ قد تحمل المواسم المقبلة بعض الإجابة، لكن المؤكد أن حماية الواحات أصبح رهانا يرتبط بالأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية وصون أحد أهم الموروثات الحضارية التي ما زالت تنبض بالحياة في قلب الصحراء.

 

Exit mobile version