
تعيش واحة كتاوة، الواقعة بإقليم زاكورة، على وقع أزمة بيئية غير مسبوقة، بعدما تفاقمت آثار سنوات الجفاف المتتالية، في مشهد ينذر بمستقبل مقلق لإحدى أعرق الواحات المغربية وأكثرها أهمية على المستويين البيئي والاقتصادي. فقد أصبحت الواحة، التي طالما شكلت مصدر عيش رئيسيا لآلاف الأسر، تواجه خطر التصحر وتدهور المنظومتها الإيكولوجية نتيجة التراجع الحاد في الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة.
وخلال السنوات الأخيرة، سجلت الواحة انخفاضا ملحوظا في منسوب المياه الجوفية، إلى جانب تراجع صبيب العيون والآبار التقليدية، ما أدى إلى عجز كبير في تلبية حاجيات السقي، خاصة بالنسبة لأشجار النخيل التي تشكل العمود الفقري للنشاط الفلاحي بالمنطقة، وأمام هذا الوضع، بدأت مساحات واسعة من الواحة تعرف جفافا تدريجيا، بعدما ذبلت آلاف الأشجار وفقدت قدرتها على الإنتاج، في حين نفق عدد كبير منها بسبب العطش.
ويؤكد عدد من الفلاحين والمهنيين أن مواسم إنتاج التمور لم تعد كما كانت في السابق، حيث تراجعت المردودية بشكل لافت، الأمر الذي انعكس مباشرة على مداخيل الأسر التي تعتمد على زراعة النخيل والأنشطة الفلاحية المرتبطة بها. كما ساهمت ندرة المياه في تقلص المساحات المزروعة بالخضروات والأعلاف، ما زاد من حجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الساكنة.
ولا يقف تأثير الجفاف عند الجانب الفلاحي فقط، بل يمتد إلى المنظومة البيئية للواحة، التي بدأت تفقد تدريجيا توازنها الطبيعي، مع توسع رقعة الأراضي الجرداء وتراجع الغطاء النباتي، الأمر الذي يفتح المجال أمام زحف الرمال وارتفاع مؤشرات التصحر، في تهديد مباشر لهذا الموروث الطبيعي الذي ظل لقرون يشكل حاجزًا بيئيًا في مواجهة الظروف المناخية القاسية.
ويرى متتبعون للشأن البيئي أن واحة كتاوة أصبحت اليوم في حاجة ماسة إلى تدخلات استعجالية تقوم على تدبير مستدام للموارد المائية، وإطلاق برامج لإعادة تأهيل المنظومة الواحية، ودعم الفلاحين المتضررين، مع اعتماد حلول مبتكرة لترشيد استعمال المياه وتوسيع تقنيات السقي المقتصد، بما يضمن الحفاظ على الثروة الواحية واستمرارية النشاط الفلاحي.
كما يطالب الفاعلون المحليون بتسريع إنجاز المشاريع الرامية إلى حماية الواحات من آثار التغيرات المناخية، وتعزيز الاستثمارات في البنيات المائية، وإرساء سياسات تنموية تراعي خصوصية المناطق الواحية التي أصبحت من أكثر المجالات هشاشة أمام التقلبات المناخية.
وتظل واحة كتاوة، بما تختزنه من قيمة بيئية وتاريخية وثقافية، واحدة من أهم الواحات المغربية التي تواجه اليوم تحديا وجوديا حقيقيا، في ظل استمرار موجات الجفاف وتزايد الضغوط المناخية. وبين واقع الأشجار التي تموت واقفة، وآمال الساكنة في إنقاذ ما تبقى من هذا الإرث الطبيعي، يبرز سؤال ملح حول مدى نجاعة التدخلات المرتقبة وقدرتها على وقف زحف التصحر وإعادة الحياة إلى واحدة من أبرز واحات الجنوب الشرقي للمملكة.