ذ. مولاي عبد الله اسليماني يكتب: مشروع قانون المالية لسنة 2027: بين استكمال الأوراش الكبرى وترسيخ الدولة الاجتماعية ورهان الاستدامة

بقلم: ذ. مولاي عبد الله اسليماني

خبير في الحكامة والمالية العامة

لم يعد مشروع قانون المالية في المغرب مجرد وثيقة محاسباتية تحدد الإيرادات والنفقات، بل تحول إلى وثيقة استراتيجية تعكس رؤية الدولة وتوجهاتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية. وفي هذا السياق، تأتي الرسالة التأطيرية لمشروع قانون المالية لسنة 2027 لتؤكد استمرار المملكة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الكبرى، مع الحرص على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية، والحفاظ على استدامة المالية العمومية.

وتبرز الرسالة التأطيرية أن الحكومة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من إطلاق الأوراش إلى تعميق أثرها وقياس نتائجها، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية والنموذج التنموي الجديد.

اقتصاد أكثر تنافسية واستثمار أكثر إنتاجية

يحتل الاستثمار مكانة محورية في مشروع قانون المالية لسنة 2027، باعتباره المحرك الأساسي للنمو وخلق فرص الشغل. لذلك، تواصل الحكومة تنزيل ميثاق الاستثمار، وتسريع إنجاز المشاريع الكبرى، وتحسين مناخ الأعمال، وتبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز جاذبية المغرب للاستثمارات الوطنية والأجنبية.

ولا يقتصر الرهان على جذب الرساميل فحسب، بل يمتد إلى توجيهها نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل الصناعة، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي، واللوجستيك، بما يعزز السيادة الاقتصادية ويقلص التبعية للخارج.

الصناعة والطاقات المتجددة… ركيزة المغرب الجديد

تشكل الصناعة أحد أهم محاور السياسة الاقتصادية الجديدة، حيث يواصل المغرب تعزيز مكانته في صناعة السيارات والطيران والإلكترونيات والصناعات الغذائية، مع الانفتاح على الصناعات المستقبلية، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر والاقتصاد منخفض الكربون.

كما يواصل المغرب الاستثمار في الطاقات المتجددة، بهدف تعزيز استقلاله الطاقي، وتقليص فاتورة الطاقة، وتحويل المملكة إلى منصة إقليمية لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة.

الفلاحة والأمن الغذائي

تؤكد الرسالة التأطيرية استمرار تنزيل استراتيجية “الجيل الأخضر”، من خلال تثمين الموارد المائية، وتأهيل سلاسل الإنتاج، ودعم الفلاحين، وتطوير الزراعات المقاومة للتغيرات المناخية.

وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل التحديات المناخية العالمية، حيث أصبح الأمن الغذائي جزءاً من الأمن الاستراتيجي للدول، ولم يعد مجرد قضية قطاعية.

السياحة… من التعافي إلى الريادة

بعد النتائج الإيجابية التي حققها القطاع السياحي، يواصل المغرب دعم الاستثمار السياحي عبر برامج نوعية، مثل “Go Siyaha” و”Cap Hospitality”، الهادفة إلى تأهيل المؤسسات السياحية وتحسين جودة العرض الوطني، إلى جانب تنويع الأسواق المصدرة للسياح وتعزيز الربط الجوي.

وتؤكد هذه السياسة أن السياحة لم تعد نشاطاً موسمياً، بل أصبحت قطاعاً اقتصادياً استراتيجياً يساهم في النمو والتشغيل وجلب العملة الصعبة.

الدولة الاجتماعية… من الشعار إلى المأسسة

لعل أبرز ما يميز مشروع قانون المالية لسنة 2027 هو مواصلة ترسيخ الدولة الاجتماعية، باعتبارها خياراً دستورياً واستراتيجياً.

فالحكومة تواصل تعميم الحماية الاجتماعية، والدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح المنظومة الصحية، وتأهيل التعليم، ودعم السكن، وتطوير خدمات الرعاية الاجتماعية، مع إيلاء عناية خاصة بالمرأة والطفل والأشخاص في وضعية إعاقة.

ويؤكد هذا التوجه أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون تنمية بشرية تضمن الكرامة والإنصاف وتكافؤ الفرص.

إصلاح التعليم والصحة… استثمار في الإنسان

تعكس الرسالة التأطيرية استمرار الإصلاحات العميقة في قطاعي التعليم والصحة.

فعلى مستوى التعليم، يتواصل تعميم التعليم الأولي، وتوسيع مدارس الريادة، وإصلاح الجامعة، وتطوير التكوين المهني وربطه بحاجيات سوق الشغل.

أما في قطاع الصحة، فتتواصل عملية تأهيل المؤسسات الصحية، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، ورقمنة الخدمات الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، بما يضمن خدمات صحية أكثر جودة ونجاعة.

العدالة والإدارة الرقمية

يشهد ورش إصلاح العدالة والإدارة زخماً متواصلاً، من خلال رقمنة الخدمات، وتبسيط المساطر، وتعزيز اللاتمركز الإداري، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في المرافق العمومية.

كما تراهن الحكومة على الإدارة الرقمية باعتبارها مدخلاً أساسياً لتحسين جودة الخدمات، وتقليص آجال المعالجة، وتعزيز الشفافية، ومحاربة البيروقراطية.

المالية العمومية… بين الطموح والانضباط

رغم حجم الأوراش الكبرى، تؤكد الرسالة التأطيرية استمرار الالتزام بضبط عجز الميزانية، والتحكم في الدين العمومي، وترشيد النفقات، وتعبئة الموارد الجبائية، وتحسين الحكامة المالية.

ويعكس هذا التوجه حرص الدولة على الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، بما يضمن استدامة الإصلاحات ويعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.

رؤية متكاملة لمغرب 2030

تكشف الرسالة التأطيرية أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا ينحصر في تدبير سنة مالية واحدة، بل يشكل محطة ضمن رؤية استراتيجية ممتدة إلى أفق 2030، تقوم على الاستثمار المنتج، والتحول الرقمي، والانتقال الطاقي، وتأهيل الرأسمال البشري، وتقوية الدولة الاجتماعية، وترسيخ الحكامة الجيدة.

غير أن نجاح هذه الرؤية سيظل رهيناً بسرعة التنفيذ، ونجاعة الإدارة، وجودة الحكامة، والتقييم المستمر للأثر الاقتصادي والاجتماعي للسياسات العمومية، لأن قيمة الإصلاحات لا تقاس بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما بقدرتها على تحسين حياة المواطن، وتقوية تنافسية الاقتصاد الوطني، وتعزيز ثقة المستثمرين في مستقبل المغرب.

لقد اختار المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، مسار الإصلاح المتدرج والمسؤول، وهو خيار يفرض على مختلف الفاعلين تعبئة جماعية، حتى تتحول الأهداف المعلنة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى منجزات ملموسة، تترجم على أرض الواقع في شكل نمو شامل، وعدالة اجتماعية، وتنمية مجالية متوازنة، واقتصاد أكثر صلابة واستدامة.

Exit mobile version