
انطلقت بمدينة الرشيدية فعاليات الدورة الثانية من مهرجان “المهاجر”، المنظم هذه السنة تحت شعار “المغاربة المقيمون بالخارج في خدمة أوراش المغرب 2030″، بمبادرة من جمعية واحة فركلة للبيئة والتراث، وبشراكة مع مجلس جهة درعة تافيلالت وولاية جهة درعة تافيلالت وعمالة إقليم الرشيدية.
غير أن حفل الافتتاح والكرنفال المصاحب له لم يمرا، وفق عدد من المتابعين والفاعلين المحليين، بالشكل الذي كان منتظرا، بعدما سجلت انتقادات واسعة طالت طريقة التنظيم والتنسيق، إلى جانب ما اعتُبر غيابا لافتا لمغاربة العالم عن فعالية يفترض أن يكون المهاجرون المغاربة في صلب موضوعها ورسالتها.
سوء التنظيم يطغى على أجواء الافتتاح
وبحسب عدد من المتابعين للشأن المحلي، فقد شهد الكرنفال الذي نظم بمناسبة افتتاح الدورة الثانية للمهرجان مجموعة من مظاهر سوء التنظيم وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، وهو ما انعكس على أجواء الافتتاح وعلى الصورة التي ظهر بها الحدث أمام المواطنين والحاضرين.
وانتقد فاعلون محليون ما وصفوه بغياب رؤية واضحة في تدبير حفل الافتتاح، معتبرين أن حجم الإمكانيات المرصودة للمهرجان كان يفترض أن يواكبه تنظيم أكثر احترافية، خصوصا أن التظاهرة تحمل اسم “المهاجر” وترفع شعارا مرتبطا بدور مغاربة العالم في الأوراش التنموية الوطنية.
وأثارت طريقة تدبير الكرنفال، بحسب المصادر نفسها، تساؤلات حول طبيعة التنسيق بين الجهة المنظمة وباقي الشركاء والمتدخلين، خصوصا في ظل حضور عدد من الشخصيات السياسية بالمدينة والجهة في مقدمة الكرنفال، الأمر الذي فتح نقاشا واسعا حول الرسائل التي حملها حفل الافتتاح.
غياب لافت للجالية المغربية المقيمة بالخارج
ومن بين أبرز الملاحظات التي رافقت انطلاق المهرجان، غياب الحضور البارز للجالية المغربية المقيمة بالخارج، رغم أن التظاهرة اختارت شعارا يضع مغاربة العالم في صلب اهتماماتها، من خلال التأكيد على مساهمتهم في خدمة أوراش المغرب في أفق سنة 2030.
ويرى عدد من المتابعين أن حضور مغاربة العالم كان يفترض أن يشكل إحدى الركائز الأساسية للمهرجان، ليس فقط باعتبارهم الفئة المستهدفة بالخطاب، وإنما أيضا باعتبارهم شريكا أساسيا في النقاش حول الاستثمار والتنمية والتبادل الثقافي والاجتماعي بين مغاربة المهجر وبلدهم الأصلي.
وتساءل متابعون عن القيمة المضافة التي يمكن أن تحققها تظاهرة تحمل اسم “المهاجر” في حال لم يحظَ المهاجرون أنفسهم بحضور وازن ضمن برنامجها وفعالياتها.
انتقادات بسبب إقصاء فنانين من الإقليم والجهة
كما أثارت برمجة المهرجان انتقادات أخرى مرتبطة بما اعتبره عدد من الفنانين والفاعلين في المجال الثقافي إقصاء لفنانين من إقليم الرشيدية ومن جهة درعة تافيلالت من المشاركة في فعاليات المهرجان.
وأكد عدد من المتابعين أن مثل هذه التظاهرات يفترض أن تشكل مناسبة لدعم الطاقات الفنية المحلية والجهوية، وإبراز المواهب التي تزخر بها المنطقة، خاصة أن الجهة تتوفر على رصيد فني وثقافي وتراثي متنوع.
وطالب فاعلون ثقافيون بضرورة اعتماد معايير أكثر وضوحا وشفافية في اختيار الفنانين المشاركين، بما يضمن حضورا متوازنا للفنانين المحليين والجهويين، وعدم الاقتصار على أسماء من خارج المنطقة.
انتقادات بشأن المال العام ودعوات إلى توضيح الكلفة المالية
وفي سياق متصل، عبر عدد من متتبعي الشأن المحلي عن استيائهم مما اعتبروه مبالغة في الإنفاق على تنظيم المهرجان، متسائلين عن حجم الاعتمادات المالية التي رُصدت لهذه التظاهرة ومصادر تمويلها وطريقة صرفها.
ووصلت بعض الانتقادات إلى حد وصف المهرجان، من طرف متابعين للشأن المحلي، بأنه يمثل “تبديدا للمال العام”، في حين اعتبر آخرون أن التظاهرة قد تتحول إلى فضاء لتوظيف سياسي وانتخابي، وذهبوا إلى وصفها بأنها “حملة انتخابية سابقة لأوانها”، بالنظر إلى الحضور اللافت لعدد من السياسيين خلال حفل الافتتاح.
وتبقى هذه الانتقادات، في انتظار توضيحات رسمية من الجهات المنظمة والشركاء، مجرد مواقف وقراءات عبر عنها أصحابها، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتا لوجود مخالفات مالية أو استغلال سياسي للمهرجان.
صفحات فيسبوكية بدل تواصل مؤسساتي؟
ومن بين النقاط التي أثارت بدورها جدلا محليا، ما يتعلق بالطريقة التي اختارت بها إدارة المهرجان الترويج للتظاهرة، حيث تحدث فاعلون عن اعتماد عدد من الصفحات الفيسبوكية في عملية الترويج والتواصل حول البرنامج والأنشطة.
واعتبر منتقدون أن مهرجانا تشارك في تنظيمه مؤسسات ترابية وإدارية كان يفترض أن يعتمد استراتيجية تواصل أكثر احترافية ووضوحا، تستفيد من مختلف وسائل الإعلام المحلية والجهوية والوطنية، إلى جانب المنصات الرسمية، بما يضمن وصول المعلومات إلى المواطنين ومغاربة العالم والمهتمين بالشأن الثقافي.
كما طُرحت تساؤلات حول معايير اختيار الصفحات التي تم الاعتماد عليها في الترويج، وحول مدى تكافؤ الفرص بين مختلف المنابر الإعلامية والصفحات المحلية في تغطية فعاليات المهرجان.
مطالب بتدخل والي الجهة وفتح النقاش حول التنظيم
وأمام هذه الانتقادات، عبر عدد من الفاعلين والمتابعين للشأن المحلي عن مطالبتهم بـتدخل والي جهة درعة تافيلالت، داعين إلى فتح نقاش جدي حول ظروف تنظيم المهرجان، وطريقة تدبير موارده، ومعايير اختيار المشاركين والشركاء الإعلاميين والفنيين.
كما طالبوا بتقديم معطيات واضحة للرأي العام حول الميزانية الإجمالية للتظاهرة، ومصادر التمويل، وطبيعة مساهمة كل شريك، إضافة إلى البرنامج الكامل للمهرجان والجهات المستفيدة من مختلف فقراته.
ويرى هؤلاء أن توضيح هذه المعطيات من شأنه أن يضع حداً للجدل المتصاعد، ويعزز مبدأ الشفافية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتظاهرة تحظى بدعم أو شراكة مؤسسات عمومية.
مهرجان “المهاجر” أمام امتحان المصداقية
وبينما تستمر فعاليات الدورة الثانية من مهرجان “المهاجر”، يظل التحدي الأكبر أمام المنظمين هو القدرة على تجاوز الانتقادات التي رافقت حفل الافتتاح، وتحويل التظاهرة إلى فضاء فعلي للحوار حول قضايا مغاربة العالم، وليس مجرد مناسبة احتفالية عابرة.
فالشعار الذي اختارته الدورة الحالية، والمتعلق بمساهمة المغاربة المقيمين بالخارج في خدمة أوراش المغرب 2030، يضع على عاتق المنظمين مسؤولية تقديم محتوى وبرامج تتناسب مع أهمية الموضوع، وتفتح المجال أمام مغاربة العالم للمساهمة في النقاش حول الاستثمار والتنمية والثقافة ونقل الخبرات.
وبين طموح مهرجان يسعى إلى تثبيت حضوره ضمن أجندة التظاهرات الثقافية بالرشيدية، وانتقادات رافقت لحظاته الأولى، تبدو الحاجة قائمة إلى تقييم جدي لطريقة التنظيم والتواصل والبرمجة، بما يضمن أن تتحول الدورات المقبلة إلى موعد ثقافي وتنموي يحظى بثقة الساكنة ومغاربة العالم والفاعلين الثقافيين، بعيداً عن أي توظيف سياسي أو انتخابي، وهو ما يستدعي أيضا توضيحات رسمية من الجهات المنظمة حول مختلف الملاحظات التي أثارتها هذه الدورة.