هبتان ملكيتان بعمق رمزي وتاريخي.. حين تتجدد العناية الملكية بذاكرة الجنوب الشرقي وروحه الصوفية

في مشهد ديني وروحي يستحضر عمق الذاكرة الوطنية للمغرب، شهد إقليم الرشيدية، يوم الأحد، تسليم هبتين ملكيتين لفائدة ضريح مولاي علي الشريف بالريصاني والزاوية الدرقاوية بتوروك، وذلك بمناسبة الذكرى الثامنة والعشرين لوفاة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه.

وقد أشرفت لجنة ملكية على تسليم الهبتين إلى مقدمي الضريح والزاوية، خلال حفلين دينيين طبعهما الخشوع والابتهال، بحضور والي جهة درعة-تافيلالت وعامل إقليم الرشيدية وعدد من المسؤولين والمنتخبين وشخصيات من المنطقة.

وقد يبدو الحدث، للوهلة الأولى، مناسبة دينية عابرة مرتبطة بذكرى وفاة ملك راحل، غير أن التمعن في رمزيته يكشف عن دلالات أعمق تتجاوز الجانب البروتوكولي والمادي للهبتين، لتلامس علاقة متجذرة في تاريخ الدولة المغربية بين المؤسسة الملكية، باعتبارها إمارة للمؤمنين، وبين المؤسسات الدينية والعلمية والصوفية التي شكلت على امتداد قرون جزءاً من الذاكرة الروحية والاجتماعية للمغاربة.

من الهبة الملكية إلى استمرارية تقليد مغربي عريق

العناية الملكية بالأضرحة والزوايا والمؤسسات الدينية ليست وليدة اللحظة، ولا ترتبط بظرفية سياسية أو مناسبة محددة، بل تندرج ضمن تقليد تاريخي راسخ في الدولة المغربية، حيث ظل الملوك، عبر العصور، يولون عناية خاصة للأماكن التي ارتبطت بالعلم والعبادة والتصوف وحفظ الذاكرة الدينية والوطنية.

وفي هذا السياق، تكتسب الهبة الملكية معنى يتجاوز قيمتها المادية، إذ تحمل في جوهرها رسالة مفادها أن هذه المؤسسات الروحية ليست مجرد بنايات أو فضاءات للزيارة، وإنما هي جزء من الرصيد الرمزي للمجتمع المغربي، ومن ذاكرته الجماعية التي ساهمت في تشكيل شخصيته الدينية والثقافية.

وإذا كانت الزوايا قد أدت تاريخياً أدواراً متعددة، من نشر العلم وتعليم القرآن وإيواء المسافرين وإغاثة المحتاجين إلى المساهمة في التأطير الاجتماعي، فإن بعضها ارتبط أيضاً بتاريخ المقاومة الوطنية والحفاظ على الهوية المغربية في مراحل دقيقة من تاريخ البلاد.

ومن هنا، فإن استمرار الرعاية الملكية لهذه المؤسسات يمكن قراءته باعتباره حفاظاً على خيط من خيوط الاستمرارية التاريخية للدولة المغربية، حيث تتقاطع الذاكرة الدينية مع الذاكرة الوطنية.

مولاي علي الشريف.. من الريصاني إلى الذاكرة الوطنية

ويكتسي ضريح مولاي علي الشريف بالريصاني مكانة خاصة في هذا السياق.

فالريصاني ليست مجرد مدينة من مدن الجنوب الشرقي، وإنما فضاء ارتبط تاريخياً ببدايات الدولة العلوية وبذاكرة سياسية وروحية عميقة. ومن ثم، فإن العناية بضريح مولاي علي الشريف تحمل دلالة خاصة، لأنها تعني في أحد أوجهها صيانة جزء من الذاكرة التي تستحضر جذور الأسرة العلوية ومكانة المنطقة في التاريخ المغربي.

فالذاكرة التاريخية لا تحفظها الكتب وحدها، بل تحفظها أيضاً الأمكنة والرموز والمقامات التي تختزن في تفاصيلها حكايات أجيال متعاقبة.

ولهذا، فإن ضريح مولاي علي الشريف يشكل بالنسبة إلى أبناء المنطقة أكثر من معلمة دينية؛ إنه أحد الرموز التي تتقاطع عندها الذاكرة الروحية مع التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب.

الزاوية الدرقاوية بتوروك.. التصوف باعتباره مكوّناً من مكونات الشخصية المغربية

أما الزاوية الدرقاوية بتوروك، فتندرج ضمن فضاء صوفي عريق عرفته مناطق الجنوب الشرقي، حيث لعب التصوف تاريخياً أدواراً تتجاوز الجانب التعبدي المحض.

فالزوايا المغربية كانت، في مراحل مختلفة، مدارس للتربية الروحية ومراكز لتحفيظ القرآن ونشر المعرفة، كما كانت فضاءات للتكافل الاجتماعي والتواصل بين القبائل والمناطق.

والتصوف المغربي، بما راكمه من مدارس وطرق ورموز، أسهم في ترسيخ نموذج ديني يقوم على الاعتدال والوسطية والتسامح، وهو النموذج الذي ظل يشكل أحد مرتكزات الهوية الدينية المغربية.

ومن هذه الزاوية، فإن استمرار الرعاية الملكية للزاوية الدرقاوية بتوروك يحمل أيضاً دلالة على استمرار الاهتمام بالموروث الروحي للمنطقة، بما يحمله من قيم دينية واجتماعية وثقافية.

ذكرى الحسن الثاني.. استحضار رجل دولة ومرحلة من تاريخ المغرب

اختيار الذكرى الثامنة والعشرين لوفاة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني لإحياء هذه المناسبة يضفي عليها بعداً إضافياً.

فالذكرى ليست مجرد استحضار لوفاة ملك، وإنما مناسبة لاستعادة مرحلة أساسية من تاريخ المغرب الحديث، بكل ما حملته من تحولات وتحديات ورهانات.

واللافت أن تخليد ذكرى الملك الراحل في مثل هذه الفضاءات الدينية يتم عبر القرآن والدعاء والابتهال، بما يعكس تقليداً مغربياً يجعل من المناسبات الملكية والدينية لحظات لاستحضار قيم الوفاء والاستمرارية والذاكرة.

وقد تضمن الحفلان تلاوة آيات من الذكر الحكيم، والدعاء لجلالة الملك محمد السادس بالحفظ والتوفيق والسداد، ولولي العهد الأمير مولاي الحسن، وللأمير مولاي رشيد ولسائر أفراد الأسرة الملكية.

وهو مشهد يعكس، في بعده الرمزي، حضور مؤسسة إمارة المؤمنين في الوجدان الديني للمغاربة، واستمرار تقليد الدعاء للملوك الذي ارتبط تاريخياً بالمجالس والفضاءات الدينية.

الهبة الملكية.. رسالة استمرارية قبل أن تكون عطاءً

لعل أهم ما ينبغي التوقف عنده في هذه المناسبة هو أن الهبة الملكية لا ينبغي اختزالها في بعدها المادي.

فالهبة، في السياق المغربي، يمكن أن تُقرأ أيضاً باعتبارها رسالة رمزية تعلن استمرار العناية الملكية بالمؤسسات التي تمثل جزءاً من الذاكرة الدينية والوطنية.

إنها علاقة تقوم على الاستمرارية: ملوك المغرب يعتنون بهذه المؤسسات، وهذه المؤسسات بدورها تحفظ الذاكرة وتواصل أداء أدوارها الدينية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن هبتي ضريح مولاي علي الشريف والزاوية الدرقاوية تندرجان في تقليد ملكي أوسع، قوامه صيانة الرموز الدينية والتاريخية، وربط الحاضر بالماضي دون الوقوع في أسر الماضي.

الرشيدية.. جغرافيا تحمل أكثر من ذاكرة

وليس من قبيل الصدفة أن تتجدد هذه المبادرة في إقليم الرشيدية، الذي يحتل موقعاً خاصاً في الخريطة التاريخية والثقافية للمغرب.

فالمنطقة ليست فقط مجالاً جغرافياً صحراوياً أو واحةً تمتد على ضفاف زيز، بل هي مجال للحضارات والطرق التجارية القديمة، ومجال للعلم والتصوف، وفضاء لعبت فيه الزوايا والأسر العلمية أدواراً أساسية في الحياة الاجتماعية.

وإذا كانت التنمية الحديثة تقتضي بناء الطرق والمستشفيات والمدارس والمشاريع الاقتصادية، فإن التنمية الحقيقية للمجال تقتضي أيضاً حماية الذاكرة وصيانة التراث المادي واللامادي.

وهنا تبرز أهمية مثل هذه المبادرات الملكية، لأنها تفتح النقاش حول ضرورة تحويل الموروث الروحي والتاريخي للمنطقة إلى رافعة ثقافية وسياحية وتنموية، دون المساس بقدسيته أو وظيفته الدينية.

من الرعاية إلى التثمين.. مسؤولية محلية ووطنية

وإذا كانت الهبة الملكية تجسد عناية سامية بهذه المعالم، فإن مسؤولية تثمينها والمحافظة عليها لا تقع على عاتق الدولة وحدها.

فالمنتخبون والسلطات المحلية والفاعلون الثقافيون والمجتمع المدني مطالبون، كل من موقعه، بالمساهمة في جعل هذه المواقع فضاءات حية للمعرفة والذاكرة والثقافة.

وهذا يقتضي توثيق تاريخها، وترميم معالمها، وتوفير شروط استقبال الزوار، وتشجيع البحث الأكاديمي حولها، وربطها بالمسارات الثقافية والسياحية التي تزخر بها منطقة تافيلالت.

فالتراث الذي لا يُوثق معرض للنسيان، والتراث الذي لا يُثمن يتحول تدريجياً إلى مجرد ذكرى، بينما يمكن للتراث المصان والمُعرّف به أن يصبح جسراً بين الأجيال ومحركاً للتنمية الثقافية والاقتصادية.

ذاكرة تتجدد ولا تتجمد

إن الهبتين الملكيتين الموجهتين إلى ضريح مولاي علي الشريف والزاوية الدرقاوية بتوروك، بمناسبة الذكرى الثامنة والعشرين لوفاة الملك الحسن الثاني، تحملان أكثر من معنى.

إنهما تعبير عن وفاء لذكرى ملك راحل، وتجسيد لاستمرارية تقليد ملكي راسخ، واحتفاء بمؤسسات دينية لعبت أدواراً في تشكيل الذاكرة الروحية والاجتماعية للمنطقة، ورسالة إلى الأجيال الجديدة بأن بناء المستقبل لا يعني إدارة الظهر للماضي.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية، تصبح المحافظة على الذاكرة مسؤولية مضاعفة؛ لأن المجتمعات التي تعرف جذورها تكون أكثر قدرة على فهم حاضرها وصياغة مستقبلها.

وهنا تحديداً تكمن القيمة الأعمق لهذه المبادرة الملكية: أن الذاكرة المغربية، بكل أبعادها الدينية والتاريخية والروحية، لا تزال تحظى بعناية المؤسسة الملكية، وأن صيانة رموزها ليست مجرد استحضار للماضي، بل هي أيضاً استثمار في معنى الاستمرارية والهوية.

Exit mobile version