
يشارك الدكتور سعيد كريمي في فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، المنظم بالعاصمة المصرية القاهرة خلال الفترة الممتدة من فاتح إلى 8 شتنبر 2026، ممثلا للمغرب ضمن عدد من الفعاليات الفكرية والثقافية الموازية لهذه التظاهرة المسرحية الدولية.
ويحضر كريمي ضمن أشغال الندوة الفكرية المصاحبة للمهرجان، في مشاركة تعكس الحضور المغربي في النقاشات الفكرية والنقدية المرتبطة بالمسرح المعاصر، إلى جانب مشاركته في فعالية ثقافية أخرى تتمثل في توقيع مؤلف جديد صدر عن المهرجان نفسه، ويحمل عنوان “في فلسفة المسرح”.
ويأتي هذا الكتاب ثمرة عمل ترجمي مشترك بين الدكتور سعيد كريمي والدكتور يوسف أمفزع، ويتضمن ترجمة لعملين فكريين لكل من الفيلسوف الفرنسي ألان باديو والمفكر الفرنسي ريجيس دوبري، بما يفتح أمام القارئ العربي مساحة للتأمل في العلاقة المركبة بين المسرح والفلسفة، وبين الإبداع الفني والأسئلة الفكرية والسياسية والثقافية.
وتنطلق مقدمة الكتاب من فكرة مركزية مفادها أن المسرح والفلسفة نشآ، في العمق، من رحم واحد هو الدهشة والسؤال والبحث عن الحقيقة. فالمسرح، وفق هذا التصور، لا يقتصر على تقديم عرض فني أمام جمهور، بل يتحول إلى فضاء لتجسيد الأفكار واختبارها من خلال الجسد والممثل والزمن والفضاء والحركة.
وتؤكد المقدمة أن المسرح يمكن النظر إليه باعتباره موضوعا فلسفيا، ليس فقط بسبب جذوره التاريخية المشتركة مع التفكير الفلسفي، وإنما أيضاً لكونه يشترك معه في مساءلة شروط الفعل الإنساني والحقيقة والهوية، غير أن المسرح يختار وسائل مختلفة في إنتاج هذه الأسئلة، إذ لا يعتمد فقط على البرهان والتجريد، وإنما يجعل من المشهد والجسد والأداء والمادة أدوات للتفكير.
وبهذا المعنى، يقدم الكتاب المسرح باعتباره فعلاً للتفلسف بوسائطه الخاصة، ومختبرا حيا للأفكار والقضايا الأخلاقية والوجودية والميتافيزيقية، حيث تنتقل الفكرة من مستوى التجريد إلى مستوى التجربة والمشاهدة والفعل.
ويضم الكتاب عملين فكريين أساسيين، أولهما “امتداح المسرح” لألان باديو، الصادر في سياق حوارات فكرية مرتبطة بمهرجان أفينيون، وثانيهما “على جسر أفينيون” لريجيس دوبري، الذي يقدم قراءة نقدية لتاريخ المهرجان وتحولاته وللأزمة التي مست العلاقة بين الثقافة والمجتمع والفن والمؤسسات.
وفي مقاربته للمسرح، ينظر ألان باديو إليه باعتباره أكثر من مجرد مؤسسة للترفيه أو فضاء لاستهلاك العروض، إذ يراه مختبرا للحقيقة ومجالا للتفكير الجماعي، فالمسرح، بالنسبة إليه، قادر على إعادة ترتيب علاقة المتلقي بما يرى ويسمع، وتحويل الأفكار إلى أحداث حية تفرض على الجمهور إعادة التفكير في علاقته بالعالم.
كما تتوقف المقدمة عند كتاب “رابسودي من أجل المسرح”، باعتباره أحد النصوص البارزة في مشروع باديو الفلسفي المتعلق بالمسرح، قبل أن يتطور هذا الاهتمام لاحقا في كتاب “امتداح المسرح”، الذي يدافع فيه الفيلسوف عن مكانة المسرح باعتباره فنا جوهريا قادرا على التأثير في طريقة فهم الإنسان للعالم.
وتسلط الترجمة الضوء كذلك على رؤية ريجيس دوبري، الذي يتعامل مع المسرح من زاوية مختلفة، تربط الفن بالتاريخ والثقافة والسياسة والمؤسسات، ومن خلال كتابه “على جسر أفينيون”، يستعيد دوبري تحولات مهرجان أفينيون، مقارنا بين مرحلته التأسيسية في خمسينيات القرن الماضي وبين وضعه في بداية الألفية الثالثة.
وتتحول هذه المقارنة لدى دوبري إلى مدخل لطرح أسئلة أوسع حول الأزمة الرمزية للثقافة المعاصرة، وتراجع المرجعيات المشتركة، والتحولات التي مست علاقة الفن بالجمهور والمجتمع والدولة.
كما تحضر في الكتاب بشكل لافت مفاهيم الميديولوجيا التي طورها دوبري، باعتبارها مقاربة تركز على شروط انتقال الأفكار والمعاني عبر الزمن، وعلى الأطر المادية والمؤسساتية التي تسمح للخطابات والقيم بأن تستمر وتؤثر في المجتمعات.
وفي هذا السياق، تتوقف المقدمة عند التحولات التي فرضتها الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية وألعاب الفيديو والذكاء الاصطناعي، معتبرة أن هذه الوسائط أعادت تشكيل علاقة الجمهور بالثقافة والفن، وفرضت على المؤسسات الثقافية التقليدية، ومن ضمنها المسرح، تحديات جديدة مرتبطة بالتلقي والإنتاج والقيمة الرمزية.
ويطرح الكتاب، في جوهره، سؤالا يتجاوز حدود المسرح باعتباره فنا أدائيا، ليصل إلى موقعه داخل المجتمع المعاصر، وقدرته على إنتاج المعرفة والمعنى، وعلى بناء علاقة جديدة بين الفرد والجماعة، وبين الفكرة وتجسدها، وبين التجربة الإنسانية والتأمل الفلسفي.
وتكتسب مشاركة الدكتور سعيد كريمي في فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أهمية خاصة بالنظر إلى حضور البعد الفكري والترجمي إلى جانب المشاركة في الندوة الفكرية، بما يجعلها مناسبة لإبراز إسهام مغربي في النقاش العربي والدولي حول قضايا المسرح والفلسفة والثقافة المعاصرة.
ويأتي توقيع كتاب “في فلسفة المسرح” ليمنح هذه المشاركة بعدا معرفيا إضافيا، من خلال نقل أعمال فكرية بارزة إلى القارئ العربي، وفتح نقاش حول وظيفة المسرح في زمن تتغير فيه أشكال التعبير والتلقي، وتتداخل فيه الثقافة مع الإعلام والتكنولوجيا والتحولات الاجتماعية المتسارعة.
وبذلك، لا تبدو المشاركة المغربية في هذه الدورة مقتصرة على الحضور في تظاهرة مسرحية دولية، وإنما تتخذ أيضا طابعا فكريا وثقافيا، من خلال المساهمة في النقاش حول مستقبل المسرح، وحدود علاقته بالفلسفة، ودوره في إنتاج الأسئلة ومساءلة التحولات التي يعرفها الإنسان والمجتمع.