مجلس جهة درعة تافيلالت.. حين تصبح لجان التتبع آلية للتهرب من المسؤولية وإلقاءها في “قب” والي الجهة

لم تعد القضية في مجلس جهة درعة تافيلالت مرتبطة فقط بعدم عقد اجتماعات لتتبع وتقييم عدد من المشاريع التي ساهم المجلس في تمويلها، كما جاءت ملاحظة لجنة الافتحاص، وإنما تتعلق بما هو أخطر؛ الطريقة التي جرى بها ترتيب مسؤولية التتبع نفسها.

فالمعطيات التي أفرزتها عملية الافتحاص المالي والإداري التي قامت بها لجنة مشتركة بين وزارة المالية ووزارة الداخلية تكشف غياب اجتماعات التتبع والتقييم بالنسبة للمشاريع التي مولها المجلس أو كان طرفا فيها، في وقت جرى فيه إسناد تفعيل ورئاسة لجان التتبع في عدد من الاتفاقيات إلى العمالات المعنية بتوطين المشاريع أو إلى ولاية الجهة.

هذه المعطيات تضع المديرية العامة للمصالح، وعلى رأسها المدير العام للمصالح عبد الواحد حميدي، أمام أسئلة ثقيلة حول الطريقة التي تم بها إعداد وتدبير هذه الاتفاقيات. فحين يكون مجلس الجهة هو الذي يصادق على الاتفاقية، ويرصد الاعتماد، ويمول المشروع، ثم تُسند آلية التتبع إلى جهة أخرى، فإن الأمر لا يعود مجرد ترتيب تقني بين المؤسسات، بل يصبح سؤالا حول تصدير وترحيل المسؤولية الى جهة خارجية، حتى يسهل التبرأ منها فيما بعد.

فالجهة، بحسب هذا النموذج، تكون حاضرة بقوة لحظة اتخاذ قرار التمويل، لكنها تصبح أقل حضورا عندما يتعلق الأمر بمراقبة ما جرى إنجازه بالأموال التي ساهمت بها. وهذا تحديدا ما يجعل ملاحظة الافتحاص بشأن عدم عقد اجتماعات التتبع والتقييم ذات أهمية استثنائية، لأنها تكشف عن انقطاع واضح بين قرار صرف المال العمومي وبين التحقق من النتائج التي صُرف من أجلها.

إن إسناد رئاسة أو تفعيل لجان التتبع إلى العمال أو إلى والي الجهة قد يكون، في حد ذاته، قابلا للتبرير عندما يتعلق الأمر بمشاريع مشتركة ومتعددة المتدخلين. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح هذا الترتيب هو الآلية الوحيدة التي يفترض أن تضمن تتبع مساهمة المجلس، ثم لا تجتمع اللجان أصلا. عندها يطرح السؤال نفسه بقوة: من كان يفترض أن يتحرك؟ ومن كان يتحمل مسؤولية دعوة اللجنة إلى الاجتماع؟ ومن كان عليه أن يرفع للمجلس حصيلة تنفيذ المشاريع التي ساهم في تمويلها؟

وهنا بالضبط تكمن خطورة الطريقة التي تم بها توزيع الاختصاصات. فإذا كانت رئاسة اللجنة لدى العامل أو الوالي، ثم لم تنعقد اللجنة، فإن المسؤولية المباشرة عن عدم انعقادها يمكن أن تبدو وكأنها تقع خارج مجلس الجهة. أما المجلس، فيمكنه أن يقول إنه قام بما عليه: صادق على الاتفاقية وحول مساهمته المالية، بينما آلية التتبع كانت بيد مؤسسة أخرى.

وهذه ليست مجرد ملاحظة إدارية هامشية، وإنما وضعية تطرح شبهة هندسة المسؤولية بطريقة تجعلها موزعة بين أكثر من مؤسسة، بما يصعب معه تحديد الجهة التي ينبغي مساءلتها عندما لا تتم مراقبة المشاريع. فبدلا من أن تكون المسؤولية واضحة ومباشرة منذ لحظة المصادقة على الاتفاقية إلى غاية تقييم نتائجها، تصبح موزعة بين المجلس والعمالة والولاية والشريك المنفذ، إلى درجة يمكن معها أن يظل السؤال الأساسي بلا جواب: من راقب المال الذي دفعه المجلس؟

وتزداد خطورة الأمر عندما نضعه في سياق وظيفة مجلس الجهة في مجال التنمية. فالقانون التنظيمي المتعلق بالجهات يجعل من اختصاصات المجلس التداول في اتفاقيات التعاون والشراكة، كما يحمّل رئيس المجلس مسؤولية تنفيذ مداولات المجلس ومقرراته، واتخاذ التدابير اللازمة لذلك. كما ينص القانون على اعتماد منظومة لتتبع المشاريع والبرامج وتقييم أداء الجهة والمراقبة الداخلية والافتحاص.

وبالتالي، فإن التتبع ليس تفصيلا ثانويا يمكن الاستغناء عنه بعد تحويل الأموال، ولا مجرد إجراء شكلي يترك للشريك الذي يتولى تنفيذ المشروع. إنه جزء من منطق الحكامة الذي يفترض أن يربط القرار بالتمويل ثم بالتنفيذ وأخيرا بالتقييم والمساءلة.

المشكلة إذن لا تكمن في كون العمال أو والي الجهة طرفا في بعض لجان التتبع؛ فالتنسيق المؤسساتي في المشاريع المشتركة أمر طبيعي. المشكلة في أن يتحول هذا التنسيق إلى بديل عن وجود آلية فعالة داخل المجلس لمراقبة مساهماته المالية. فحتى عندما تكون رئاسة اللجنة مسندة إلى مؤسسة أخرى، يبقى من واجب المجلس أن يعرف أين وصلت المشاريع التي يمولها، وأن يحصل على التقارير المتعلقة بها، وأن يتأكد من احترام الالتزامات المتبادلة.

أما أن تتحول العملية إلى صيغة مفادها: المجلس يصادق، والإدارة تحول الأموال، والجهة الشريكة تنفذ، ولجنة التتبع يرأسها مسؤول خارج المجلس، ثم لا تعقد اللجنة اجتماعاتها، فهذه ليست حكامة للمشاريع، وإنما تفكيك لسلسلة المسؤولية.

وفي هذا السياق، تبدو مسؤولية المدير العام للمصالح، عبد الواحد حميدي، جديرة بالتدقيق والمساءلة. فالمطلوب منه ليس فقط تفسير سبب عدم انعقاد الاجتماعات، وإنما توضيح كيف جرى إعداد منظومة التتبع في الاتفاقيات، ولماذا أسندت في عدد منها إلى العمالات أو الولاية، وما هي الآليات التي وضعتها إدارة المجلس لضمان حصول المؤسسة المنتخبة على تقارير دورية حول تنفيذ المشاريع.

والسؤال الأكثر أهمية هو: هل كانت هناك فعلا منظومة موازية داخل المجلس للتتبع؟ وإذا كانت موجودة، فلماذا لم تمنع الوضع الذي سجلته لجنة الافتحاص؟ وإذا لم تكن موجودة، فمن يتحمل مسؤولية عدم إرسائها؟

هذه الأسئلة تجعل من الصعب اختزال القضية في شخص المدير العام للمصالح وحده. فالمسؤولية السياسية والتدبيرية لا يمكن أن تختفي خلف المسؤولية الإدارية. رئيس المجلس والمجلس نفسه يتحملان مسؤولية أساسية عن طريقة تدبير المال الذي صادقا على تخصيصه. فالمؤسسة التي تصوت على الاعتمادات لا يمكن أن تعتبر مهمتها انتهت بمجرد تنفيذ التحويل المالي.

المال العام لا يقاس فقط بكونه صُرف وفق المساطر، وإنما بما حققه على أرض الواقع. والمجلس الذي يساهم في تمويل مشروع مطالب بأن يعرف ما إذا كان المشروع قد أنجز، وما نسبة إنجازه، وهل احترمت كلفته وآجاله ومواصفاته، وهل تحققت الأهداف التي بررت صرف الأموال من الأساس.

وإلا فما الفرق بين مجلس جهوي يمارس اختصاصاته التنموية كاملة، وبين مؤسسة تتحول إلى خط سيولة مالي مفتوح أمام الشركاء؟

هذا هو السؤال الذي تفرضه الوقائع، فالمجلس، وفق هذا النموذج، يبدو حاضرا في بداية السلسلة: يصادق ويرصد ويمول. لكنه يصبح أقل حضورا في نهايتها: يتتبع ويقيّم ويحاسب. وبين المرحلتين توجد مساحة واسعة يمكن أن تضيع فيها المسؤولية، خصوصا عندما تكون لجنة التتبع برئاسة مؤسسة أخرى ولا تعقد اجتماعاتها.

والأخطر من ذلك أن غياب التتبع لا يعني فقط غياب الاجتماعات. إنه يعني غياب المعلومات. وغياب المعلومات يعني صعوبة قياس النتائج. وصعوبة قياس النتائج تعني أن المجلس يمكن أن يستمر في تمويل مشاريع دون أن يمتلك صورة دقيقة عن مردودية إنفاقه.

وهنا يصبح السؤال مشروعا ومحرجا في آن واحد: هل كان الهدف من وضع هذه الهندسة أن يتم ضمان التتبع، أم أنها انتهت عمليا إلى توزيع المسؤولية بحيث يصعب تحميل المجلس تبعات غياب التتبع والتقييم؟

إذا كان الجواب أن الأمر مجرد سوء تدبير، فإن المسؤولين مطالبون بتحديد المسؤول عن هذا الخطأ وتصحيحه. وإذا كان هناك مبرر مؤسساتي لإسناد رئاسة اللجان إلى العمال أو الوالي، فإن هذا المبرر ينبغي أن يكون واضحا ومكتوبا. أما إذا كانت النتيجة النهائية هي عدم انعقاد اللجان وغياب التقييم، فإن المسؤولية لا يمكن أن تظل معلقة في الهواء.

إن ملاحظة لجنة الافتحاص لا ينبغي أن تنتهي إلى مجرد جواب إداري أو توصية تحفظ في ملف. فهي تكشف خللا في الحلقة التي تربط المال العمومي بالنتيجة العمومية.

واليوم، لا يحتاج الرأي العام إلى معرفة كم اتفاقية صادق عليها المجلس فقط، بل إلى معرفة كم مشروعاً أنجز فعليا، وكم بلغت مساهمة الجهة فيها، وكم منها خضع لتتبع وتقييم حقيقي، وكم لجنة اجتمعت، وما هي المشاريع المتعثرة، وما هي أسباب تعثرها، ومن يتحمل المسؤولية عنها.

فالمساءلة الحقيقية لا تبدأ عند سؤال: أين ذهبت الأموال؟ فقط، وإنما تبدأ أيضا عند سؤال أكثر دقة: ماذا أنجز بهذه الأموال؟

وإذا كان مجلس جهة درعة تافيلالت قد تحول، في بعض هذه الاتفاقيات، إلى ممول يدفع ثم ينتظر نتائج مشاريع تتولى مؤسسات أخرى تتبعها، فإن الأمر يستحق مراجعة عميقة لطريقة إعداد وتنفيذ الاتفاقيات.

فالعمال والوالي ليسوا، ولا ينبغي أن يكونوا، مخرجا مؤسساتيا لإعفاء المجلس من مسؤوليته عن تتبع مساهماته. والمدير العام للمصالح لا يمكن أن تكون مهمته مجرد ضمان وصول الاعتمادات إلى الشركاء، بل يفترض أن تكون الإدارة قادرة على إنتاج المعلومة التي تمكن المؤسسة المنتخبة من ممارسة الرقابة والتقييم.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر بساطة هي الأكثر إحراجا: المجلس الذي يملك المال يجب أن يملك أيضا القدرة على معرفة مصيره.

أما أن تُحوّل الأموال، وتغيب الاجتماعات، وتتوزع المسؤوليات بين المجلس والعمالات والولاية والشركاء، ثم لا يجد المواطن من يجيبه عن مآل المشاريع، فذلك يعني أن الخلل لم يعد في مشروع بعينه، وإنما في منظومة تدبير كاملة تحتاج إلى مساءلة وإعادة بناء.

والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحا أمام رئيس المجلس ومديره العام للمصالح ليس: هل تم تحويل الأموال؟، وإنما: من تتبع؟ من قيّم؟ ماذا أنجز؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما لا يكون هناك جواب؟

↑
Exit mobile version