مراسلة الوالي تُسرّع معركة تجريد أمكسو.. هل دخل الوالي على خط الصراع الانتخابي والسياسي بجهة درعة تافيلالت وأصبح فاعلا سياسيا؟

بعد ساعات من ترشح أمكسو باسم الاتحاد الاشتراكي.. والي الجهة يطلب من رئيس المجلس التحرك قضائياً لتجريده من عضويته، والوثيقة تفتح نقاشاً حول حدود تدخل السلطة في تدبير الخلافات السياسية داخل مؤسسة منتخبة

لم تعد قضية عبد المولى أمكسو مجرد خلاف سياسي داخل مجلس جهة درعة تافيلالت، بعدما كشفت وثيقة توصلت بها الجريدة عن دخول والي الجهة، السعيد زنيبر، على خط الملف بشكل مباشر، من خلال مراسلة وجهها إلى رئيس مجلس الجهة اهرو أبرو، يطلب فيها منه بشكل عاجل تقديم طلب تجريد المستشار الجهوي من عضويته أمام المحكمة الإدارية بفاس، على خلفية ترشحه للانتخابات التشريعية المقبلة باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعدما كان قد ترشح لعضوية مجلس الجهة باسم حزب الأصالة والمعاصرة. والمثير في هذه المراسلة ليس فقط مضمونها، وإنما توقيتها أيضاً، وطبيعة المبادرة التي اتخذتها السلطة الولائية، والتي تأتي في خضم احتدام الصراع السياسي داخل مجلس الجهة، وبعد انتكاسة دورة يوليوز، وقبيل دورة أكتوبر التي ينتظر أن تعود فيها النقاط التي سبق إسقاطها إلى طاولة المجلس، إلى جانب مشروع ميزانية الجهة برسم سنة 2027.

الوثيقة التي تتوفر عليها الجريدة لا تكتفي بالإشارة إلى ترشح أمكسو باسم حزب آخر، وإنما تبني على هذا المعطى لتعتبر أن المعني بالأمر أصبح في وضعية “تخلي عن انتمائه السياسي” للحزب الذي ترشح باسمه خلال الانتخابات الأخيرة، قبل أن توجه رئيس مجلس الجهة إلى مباشرة المسطرة القضائية. وبذلك، لم تعد المبادرة مجرد إجراء داخلي لرئاسة المجلس، بل أصبحت هناك مراسلة صادرة عن أعلى سلطة ترابية على مستوى الجهة تدفع رئيس مؤسسة منتخبة إلى اتخاذ خطوة قضائية ضد أحد أعضائها. وهذه النقطة تحديداً هي التي تستحق أن تُقرأ سياسياً، لا فقط قانونياً، لأن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل اكتفت السلطة الولائية بممارسة اختصاصها في مراقبة احترام القانون، أم أن تدخلها بهذه السرعة جعلها طرفاً مؤثراً في نزاع سياسي وانتخابي داخل مؤسسة منتخبة؟

والأكثر إثارة أن الوثيقة لا تتحدث عن واقعة استقالة من مجلس الجهة، ولا تقدم، في حد ذاتها، ما يفيد أن أمكسو تقدم باستقالة من عضويته بالمجلس، وإنما تنطلق من واقعة سياسية واضحة: الرجل اختار خوض الانتخابات التشريعية باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعد أن كان قد ترشح لعضوية مجلس الجهة باسم الأصالة والمعاصرة. ومن هنا بنت المراسلة استنتاجها بوجود تخلي عن الانتماء السياسي السابق، وطلبت من رئيس المجلس تفعيل المادة 54 من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات. وهذا التفصيل مهم جداً، لأنه يعني أن جوهر النزاع ليس مغادرة أمكسو لمجلس الجهة بإرادته، وإنما الانتقال السياسي من حزب إلى حزب آخر وما يترتب عنه من آثار على العضوية داخل المجلس.

غير أن السؤال السياسي الذي لا يمكن تجاهله يتعلق بالتوقيت. فالمراسلة تأتي في سياق انتخابي واضح، بعدما أدرج اسم عبد المولى أمكسو ضمن لائحة مرشحي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالدائرة الانتخابية المحلية بورزازات، وهي المعطيات التي تؤكدها الوثيقة المرفقة نفسها. وفي الوقت الذي يستعد فيه الرجل لخوض استحقاق انتخابي جديد، تتحرك السلطة الولائية باتجاه دفع رئيس مجلس الجهة إلى تجريده من عضوية مؤسسة منتخبة. ومن الناحية السياسية، يكفي هذا التزامن وحده لفتح نقاش واسع حول ما إذا كان التدخل الإداري قد أصبح، ولو من حيث الأثر والنتيجة، عاملاً مؤثراً في المشهد الانتخابي المحلي.

فإذا كان القانون يحدد شروط وحالات التجريد، فإن تطبيق القانون شيء، وتحويل المسطرة القانونية إلى عنصر مؤثر في التنافس السياسي شيء آخر. ولهذا فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كان أمكسو يخضع للقانون أم لا، فهذا أمر لا خلاف عليه، وإنما من الذي بادر إلى تحريك المسطرة، ولماذا بهذا التوقيت تحديداً، ولماذا لم يترك الأمر لرئيس المجلس والأطراف المعنية لتفعيل الإجراءات التي يرونها مناسبة وفق القانون؟

وتزداد حساسية الموضوع عندما نضعه في سياق الأزمة التي يعيشها مجلس جهة درعة تافيلالت منذ دورة يوليوز. فبعد إسقاط عدد من النقاط خلال الدورة السابقة، كان المنتظر أن تتجه رئاسة المجلس نحو احتواء الخلاف، وأن تجمع مختلف المكونات السياسية وتبحث عن أرضية مشتركة تسمح بتجاوز الأزمة. لكن، وفق المعطيات المتوفرة، لم يحصل ذلك بالشكل الذي كان يمكن أن يخفف الاحتقان، بل اتجهت الأمور نحو التصعيد، ليصبح أمكسو، الذي كان من الأصوات الأكثر انتقاداً للرئاسة، موضوع مسطرة تستهدف إخراجه نهائياً من المجلس.

وهنا يصبح الربط بين الأحداث أكثر إثارة للاهتمام. فالرجل الذي عرف بمداخلاته القوية دفاعاً عن إقليم ورزازات، وبانتقاداته لما يعتبره اختلالاً في العدالة المجالية وفي توزيع مشاريع واعتمادات الجهة، يجد نفسه اليوم أمام مسطرة قد تنتهي بفقدانه عضويته بالمجلس. وفي المقابل، تستعد رئاسة الجهة لدورة أكتوبر التي ستعود فيها النقاط التي سبق أن سقطت في يوليوز، إلى جانب الدراسة والمصادقة على ميزانية 2027، وهي النقاط التي تشكل، وفق المعطيات المتوفرة، مصدر قلق سياسي حقيقي للرئاسة في ظل عدم استقرار التوافقات داخل المجلس.

وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو ما إذا كان تجريد أمكسو، في حال تم، سيؤدي عملياً إلى تغيير جزء من موازين القوى داخل المجلس قبل واحدة من أهم دوراته. فالرجل ليس مجرد عضو يحمل صفة قانونية، وإنما صوت سياسي معروف بمواقفه المعارضة، وقد كان حاضراً بقوة في النقاشات التي سبقت سقوط نقاط دورة يوليوز. وبالتالي فإن غيابه عن دورة أكتوبر، إذا ما تمت عملية التجريد قبل انعقادها، قد تكون له تداعيات سياسية على النقاش والتصويت، حتى وإن كان من السابق لأوانه الجزم بما إذا كان ذلك سيغير فعلاً نتائج أي تصويت مقبل.

واللافت أن رئيس الجهة تحرك، بحسب المعطيات التي توصلت بها الجريدة، بسرعة كبيرة بعد ورود مراسلة الوالي، حيث انتقل الملف إلى المسار القضائي، وهو ما يعكس حجم الاستعجال الذي أحيط به الموضوع. بل إن المعطيات المتداولة تفيد بأن محامي الجهة اضطر الى خرق اتفاق الاضراب عن تقديم الخدمات المهنية  الذي يخوضه المحامون منذ مدة، حفاظا على عقدته ذات الاثر المادي مع مجلس الجهة واستجابة لأوامر منسقه الحزبي الجهوي.

لكن المراسلة الولائية نفسها تفرض سؤالاً أكبر من قضية أمكسو: أين تنتهي سلطة الإدارة وأين يبدأ المجال السياسي للمؤسسات المنتخبة؟ فوالي الجهة مسؤول عن السهر على احترام القانون وضمان السير الطبيعي للمؤسسات، لكن عندما يتعلق الأمر بعضو منتخب داخل مجلس جهوي، فإن أي مبادرة إدارية من شأنها أن تنتهي إلى إبعاده من المؤسسة ستكون بطبيعتها ذات أثر سياسي، خصوصاً إذا تزامنت مع استحقاق انتخابي ومع صراع داخلي محتدم حول طريقة تدبير الجهة.

ومن هنا تبدو العبارة الأكثر دقة في توصيف الوضع هي أن الوالي لم يعد مجرد متابع من بعيد للصراع السياسي داخل مجلس الجهة، بل أصبحت لمبادرته آثار مباشرة على هذا الصراع. أما ما إذا كان ذلك يعني أنه أصبح فاعلاً سياسياً أو أن تحركه كان بدافع انتخابي، فتلك مسألة تحتاج إلى قرائن وأدلة لا توفرها المراسلة وحدها، لكنها في المقابل لا تمنع من طرح السؤال ومساءلة التوقيت والملابسات.

وفي انتظار كلمة القضاء، يبقى الملف مفتوحاً على مواجهة أكبر من مجرد عضوية مستشار جهوي. فدورة أكتوبر ستعيد اختبار تماسك الأغلبية، وستضع ميزانية 2027 أمام أعضاء المجلس، فيما سيكون السؤال السياسي الأهم هو ما إذا كانت رئاسة الجهة قادرة على تجاوز أزمة يوليوز بالحوار والتوافق، أم أنها اختارت طريقاً آخر يقوم على تغيير تركيبة الأصوات قبل إعادة طرح الملفات الخلافية.

وفي النهاية، قد يكون القضاء وحده صاحب الكلمة في تحديد ما إذا كانت شروط التجريد متوفرة في حق أمكسو، لكن الأسئلة السياسية ستبقى معلقة: لماذا تحركت السلطة بهذه السرعة؟ لماذا جاء ذلك في خضم الاستحقاق الانتخابي؟ ولماذا أصبح إبعاد عضو منتخب يبدو أكثر استعجالاً من معالجة أسباب الشرخ الذي كشفته دورة يوليوز؟ أسئلة لا تجيب عنها المراسلة وحدها، لكنها تجعلها وثيقة ذات أهمية سياسية كبيرة، وتحوّل قضية أمكسو من مجرد نزاع حول عضوية في مجلس جهوي إلى اختبار حقيقي لحدود العلاقة بين الإدارة والمنتخبين والسياسة والانتخابات داخل جهة درعة تافيلالت.

Exit mobile version