ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: هل يقترب المغرب من نهاية سيارات الديزل؟ صناعة السيارات بين التحول الكهربائي ورهانات 2035

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

أصبح مستقبل سيارات الديزل من أكثر المواضيع التي تشغل المستهلكين والمهنيين وصناع القرار في قطاع السيارات، خصوصاً مع تسارع الانتقال العالمي نحو السيارات الكهربائية والهجينة وتشديد القواعد البيئية في الأسواق الأوروبية. وفي المغرب، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى قاعدة صناعية مهمة لصناعة السيارات وتصديرها، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل حُدد فعلاً آخر أجل لإنتاج سيارات الديزل في المملكة، وهل ستشكل سنة 2035 نهاية هذا النوع من المحركات؟

إلى حدود شتنبر 2026، لا يوجد في المغرب نص قانوني أو قرار حكومي معلن يحدد سنة معينة لمنع إنتاج أو بيع السيارات الجديدة التي تعمل بالديزل. وبالتالي، فإن الحديث عن سنة 2030 أو 2035 باعتبارها موعداً مغربياً رسمياً لنهاية محركات الديزل غير دقيق. غير أن غياب موعد قانوني لا يعني أن الصناعة المغربية ستبقى بعيدة عن التحول الجاري عالمياً، لأن مستقبل الإنتاج الوطني مرتبط بدرجة كبيرة بتطور الطلب في الأسواق الخارجية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي.

وقد أصبح المغرب اليوم عنصراً أساسياً في الصناعة العالمية للسيارات. فمجموعة Renault أعلنت في يونيو 2026 أن منصتيها الصناعيتين بالمغرب أنتجتا أكثر من 394 ألف سيارة خلال سنة 2025، ليصبح المغرب ثاني أكبر قاعدة صناعية للمجموعة عالمياً من حيث حجم الإنتاج. كما يتم تصدير حوالي 82% من إنتاج مصنعي طنجة والدار البيضاء إلى 63 وجهة دولية، من بينها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا وتركيا.

هذه الأرقام تكشف حقيقة اقتصادية مهمة: مستقبل المحركات المصنعة في المغرب لن يتحدد فقط بالقوانين المغربية، بل أيضاً بالقواعد المفروضة في الدول التي تستقبل السيارات المغربية. وإذا تغير الطلب الأوروبي، فإن خطوط الإنتاج المغربية ستتكيف بالضرورة مع هذا التحول حفاظاً على أسواقها الخارجية.

وفي الاتجاه نفسه، دخل مصنع Stellantis بالقنيطرة مرحلة صناعية جديدة. ففي 15 يوليو 2026 أعلنت المجموعة إطلاق إنتاج المركبات المبنية على منصة Smart Car، بما فيها طرازات Fiat Fastback وGrizzly، وهي منصة تسمح بتطوير عدة أنواع من منظومات الدفع وتندرج ضمن استراتيجية المجموعة لتوسيع الإنتاج الموجه لمنطقة إفريقيا والشرق الأوسط والأسواق الدولية.

وكانت Stellantis قد أعلنت أيضاً أن توسعة مصنع القنيطرة ستسمح بمضاعفة القدرة الإنتاجية الأولية من 200 ألف إلى 400 ألف سيارة سنوياً، بينما يمكن أن تصل الطاقة الإجمالية للموقع، باحتساب أنشطة التنقل الصغير، إلى نحو 535 ألف مركبة سنوياً. كما تستهدف المجموعة بلوغ مشتريات محلية تتجاوز 6 مليارات يورو سنوياً بحلول 2030 مع نسبة إدماج محلي تصل إلى 75%.

وفي الوقت نفسه، بدأت الصناعة المغربية نفسها تستوعب التحول نحو الكهرباء والهجين. فمصنع القنيطرة طور إنتاج وسائل تنقل كهربائية بنسبة 100% وشرع في إنتاج تجهيزات مرتبطة بالشحن الكهربائي، بينما توسع Renault في إدماج تقنيات الهجين في بعض الطرازات المصنعة بالمغرب. وهذا يعني أن التحول الصناعي لم يعد مجرد مشروع مستقبلي، بل أصبح واقعاً داخل خطوط الإنتاج المغربية.

ويظل العامل الأوروبي حاسماً في هذا الملف. فالقواعد الأوروبية السارية حالياً تنص على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للسيارات والشاحنات الخفيفة الجديدة بنسبة 55% للسيارات بين 2030 و2034 مقارنة بمستويات 2021، وعلى هدف خفض بنسبة 100% ابتداءً من 2035 وفق التشريع النافذ حالياً.

لكن سنة 2035 نفسها لم تعد ملفاً مغلقاً تماماً. ففي 16 ديسمبر 2025 اقترحت المفوضية الأوروبية مراجعة القواعد بحيث يصبح هدف خفض الانبعاثات المباشرة سنة 2035 في حدود 90% بدل 100%، مع إمكانية تعويض النسبة المتبقية من خلال استخدام أنواع وقود مستدامة ومواد منخفضة الكربون. والمهم قانونياً هو أن هذا يمثل مقترحاً للمراجعة، بينما يبقى الهدف الملزم النافذ حالياً هو خفض 100% من انبعاثات أسطول السيارات الجديدة ابتداءً من 2035 إلى أن يتم تعديل التشريع نهائياً.

من هنا، فإن عبارة «نهاية الديزل سنة 2035» تحتاج إلى الكثير من التدقيق. فالقواعد الأوروبية تتعلق أساساً بانبعاثات السيارات الجديدة المسجلة في السوق الأوروبية، ولا تعني اختفاء كل سيارة ديزل من الطرق في ذلك التاريخ، كما أنها لا تمنع تلقائياً استمرار تصنيع مركبات حرارية في دول خارج الاتحاد الأوروبي إذا كانت موجهة إلى أسواق أخرى تسمح بها.

وهنا تظهر خصوصية المغرب. فالمملكة تجمع بين سوق داخلية ما تزال تستعمل البنزين والديزل على نطاق واسع وبين صناعة تصديرية مرتبطة بأوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. لذلك قد يستمر إنتاج بعض المحركات الحرارية بالمغرب بعد تراجعها في أوروبا، لكن نسبتها داخل الإنتاج الإجمالي مرشحة للانخفاض تدريجياً لصالح السيارات الكهربائية والهجينة وغيرها من حلول التنقل منخفض الانبعاثات.

والواقع أن التحول قد يكون اقتصادياً قبل أن يكون قانونياً. فإذا انخفض الطلب الدولي على سيارات الديزل، وارتفعت كلفة الامتثال للمعايير البيئية، وزاد الاستثمار في البطاريات والمحركات الكهربائية والهجينة، فقد يصبح الإبقاء على خطوط إنتاج الديزل أقل جدوى حتى في غياب قرار رسمي يمنعها. ولهذا فإن الفترة الممتدة بين 2026 و2035 تبدو مرحلة إعادة تشكيل حقيقية للصناعة أكثر من كونها مجرد انتظار لموعد قانوني محدد.

وبالنسبة للمستهلك المغربي، لا توجد اليوم قاعدة تسمح بالقول إن سيارة الديزل ستصبح ممنوعة سنة 2035 أو أن السيارات الموجودة ستفقد حقها في السير تلقائياً. لكن يجب التمييز بين «المنع القانوني» و«تراجع القيمة الاقتصادية». فالسيارات التي تعتمد على تقنيات قديمة قد تواجه مستقبلاً طلباً أقل، ومعايير بيئية أكثر تشدداً، وكلفة استعمال وصيانة مختلفة، خصوصاً إذا تسارعت شبكات الشحن وانخفضت أسعار السيارات الكهربائية والهجينة.

أما بالنسبة للمغرب كدولة صناعية، فإن المرحلة المقبلة تحمل فرصة أكبر من مجرد التخوف من نهاية الديزل. الانتقال العالمي نحو المركبات الكهربائية يعني انتقال الاستثمار أيضاً إلى تصنيع المحركات الكهربائية، إلكترونيات القوة، البطاريات، تجهيزات الشحن، البرمجيات ومكونات السيارات الذكية. واستمرار توسع Renault وStellantis وتطوير منظومة الموردين المحليين يؤكد أن الرهان الحقيقي هو الحفاظ على تنافسية المغرب مهما تغير نوع المحرك.

وبذلك، فإن السؤال الصحيح لم يعد فقط: متى سينتهي إنتاج سيارات الديزل في المغرب؟ بل أصبح: هل سيتمكن المغرب من الانتقال في الوقت المناسب من صناعة السيارة التقليدية إلى صناعة سيارة المستقبل دون خسارة موقعه ضمن سلاسل القيمة العالمية؟

المعطيات المتاحة حتى شتنبر 2026 تشير إلى أن المغرب لم يحدد تاريخاً قانونياً لنهاية الديزل، لكنه دخل فعلياً مرحلة التحول الصناعي. وقد لا تأتي نهاية الديزل بمرسوم يحدد يوماً وسنة، بل قد تأتي تدريجياً بفعل السوق، والتكنولوجيا، وتحولات التصدير، ومعايير الانبعاثات الدولية. وفي هذه المعادلة الجديدة، سيكون التحدي الأساسي أمام المغرب ليس الدفاع عن محرك معين، وإنما ضمان بقاء عبارة «صنع في المغرب» حاضرة بقوة داخل صناعة السيارات العالمية، سواء كان المحرك ديزل أو هجيناً أو كهربائياً.

Exit mobile version