
ناقشت الدكتورة سناء بكريم، مؤخرا، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه في علوم الإعلام والاتصال، تحت إشراف الدكتورين عبد الفتاح الزين ونجاة باسو.
وحصلت الأطروحة، التي حملت عنوان “إعداد منصة رقمية للتكفل بالمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء في المغرب”، وهو أول مقترح يعنى بتدبير شؤون المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، على ميزة مشرف جدا مع تهنئة أعضاء لجنة المناقشة والتوصية بالنشر.
وتكونت لجنة المناقشة، من كل من الدكتورة نجاة باسو والدكتور عبد الفتاح الزين مشرفين، و الدكتورة نادية البزاز مقررا و الدكتور كمال الملاخ مقررا و الدكتور عبد الفتاح لحيالة مقررا و الخبيرة LAURA PALATINI .
وتتناول الدراسة دور الرقمنة في تحسين وصول المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، إلى المعلومات والخدمات والحقوق، من خلال بحث إمكانات توظيف التكنولوجيا الرقمية لتبسيط المساطر وتعزيز الإدماج الاجتماعي والرقمي لهذه الفئة.
الرقمنة في مواجهة تحديات الوصول إلى المعلومات
وتنطلق الدراسة من التحولات التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الواقع الهجروي أو في مجال رقمنة الخدمات، ورغم التطور الذي عرفته الخدمات الرقمية، لا يزال عدد من المهاجرين يواجه صعوبات في الوصول إلى المعلومات وإنجاز بعض الإجراءات.
وتشير الدراسة إلى مجموعة من العوامل التي يمكن أن تعرقل هذا الولوج، من بينها الحواجز اللغوية، وتشتت المعلومات بين مصادر مختلفة، والتفاوت في مستوى المهارات الرقمية، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية وسرية المعلومات.
وفي هذا السياق، تسعى الأطروحة إلى البحث في الكيفية التي يمكن من خلالها جعل الاتصال الرقمي أكثر ملاءمة لاحتياجات المهاجرين وأكثر قدرة على تسهيل اندماجهم في المجتمع.
دراسة ميدانية تجمع بين المعطيات الكمية والنوعية
واعتمدت الباحثة في دراستها على منهجية مختلطة تجمع بين البحث الكمي والبحث النوعي، وقد شملت المرحلة الأولى 1445 استمارة استبيان، قبل أن يتم، وفق معايير الاستبعاد المحددة في البحث، اعتماد 720 استمارة صالحة للتحليل الكمي، موزعة على خمس جهات بالمغرب.
كما أجرت الباحثة 15 مقابلة شبه موجهة مع عدد من الفاعلين المرتبطين بقضايا الهجرة، من بينهم فاعلون جمعويون وأكاديميون وإداريون، بهدف استكمال المعطيات الإحصائية بفهم أعمق للتجارب والاحتياجات المطروحة على أرض الواقع.
وتبرز نتائج البحث أن الأدوات الرقمية يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تسهيل حصول المهاجرين على المعلومات والخدمات، خاصة عندما تكون هذه الأدوات واضحة وسهلة الاستخدام ومصممة وفق احتياجات المستخدمين.
غير أن الدراسة تؤكد في الوقت نفسه أن توفير منصة رقمية لا يشكل حلا كافيا بمفرده، إذ تظل اللغة، والمهارات الرقمية، والثقة، وحماية البيانات الشخصية، والتنسيق بين المؤسسات والفاعلين عوامل أساسية لنجاح أي مشروع رقمي موجه إلى المهاجرين.
منصة واحدة بدل تعدد مصادر المعلومات
ويتمثل أبرز مخرجات الأطروحة في اقتراح منصة رقمية موحدة موجهة إلى المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء بالمغرب، حيث يقدم البحث هذا التصور باعتباره أول مقترح من هذا النوع في المغرب.
وتقوم الفكرة على جمع مجموعة من المعلومات والخدمات في فضاء رقمي واحد، بما يقلل الحاجة إلى التنقل بين مواقع ومصادر متعددة للعثور على المعلومة المناسبة.
وتتضمن المنصة المقترحة خدمات ومجالات متعددة، من بينها التوجيه في المساطر الإدارية، والمعلومات الصحية، والتكوين، والإدماج السوسيو-رقمي، والتوجيه نحو الجمعيات وفاعلي المجتمع المدني.
كما تراعي المنصة المقترحة متطلبات الولوجية، من خلال اعتماد تعدد اللغات والمساعدة الصوتية والتوافق مع استخدام الهواتف الذكية، إلى جانب آليات تهدف إلى تعزيز حماية المعطيات الشخصية والحفاظ على خصوصية المستخدمين.
من الرقمنة التقنية إلى الإدماج السوسيو-رقمي
لا تقتصر أهمية البحث على الجانب التقني، بل يندرج ضمن نقاش أوسع حول مستقبل الخدمات الرقمية في المغرب، وعلاقتها بالإدماج وتبسيط الولوج إلى الخدمات.
وفي هذا الإطار، تربط الأطروحة بين نتائجها وبين التوجهات المرتبطة بـ “المغرب الرقمي 2030” والنموذج التنموي الجديد، خصوصا في ما يتعلق بتطوير خدمات أكثر قربا من احتياجات المستخدمين وتعزيز الاستفادة من التحول الرقمي.
وتطرح الدراسة تصورا يتجاوز مجرد تحويل الإجراءات التقليدية إلى خدمات إلكترونية، نحو بناء أدوات رقمية تراعي الواقع اللغوي والاجتماعي والإنساني للمستخدمين.
كما تنظر إلى الاتصال الرقمي باعتباره وسيلة لتعزيز التفاعل بين المهاجرين والمؤسسات والمجتمع المدني، وليس مجرد قناة تقنية لنقل المعلومات.
نحو تدبير أكثر تنسيقًا لقضايا الهجرة
تخلص الأطروحة إلى أن الاستثمار في الرقمنة يمكن أن يشكل عنصرا مساعدا في تحسين وصول المهاجرين إلى المعلومات والخدمات والحقوق، شريطة أن تكون الحلول الرقمية مصممة وفق احتياجاتهم الفعلية وأن تراعي تحديات اللغة والمهارات الرقمية والخصوصية والثقة.
ومن خلال اقتراح منصة رقمية موحدة، تفتح دراسة الدكتورة سناء بكريم نقاشًا حول إمكانية تطوير خدمات رقمية أكثر تنسيقًا وإتاحة وشمولا في مجال الهجرة بالمغرب.
وبذلك، تضع الأطروحة الرقمنة في موقع الوسيلة التي يمكن أن تساهم في تسهيل مسار المهاجر وتعزيز إدماجه، بدل النظر إليها كغاية تقنية في حد ذاتها.