العدد 3 من مجلة “أكورا” .. دراسة أكاديمية: التواصل العمومي بدرعة تافيلالت مجرد “إعلام بروتوكولي” يفتقر للتفاعلية والشفافية

كشفت دراسة بحثية حديثة أعدها الباحث في سلك الدكتوراه حفيظ كرومي، ونُشرت ضمن العدد الثالث من مجلة “أكورا للدراسات والأبحاث”، أن التواصل العمومي المؤسساتي في جهة درعة تافيلالت يقتصر في وضعه الحالي على التغوطية الإعلامية ونشر الأنشطة البروتوكولية، دون أن يرتقي إلى سياسة عمومية مدمجة تعزز الشفافية وتضمن حق المواطن في الوصول إلى المعلومة والمشاركة الترابية.

وأكدت المخرجات الميدانية، التي أنجزها المهتم بمجالات التواصل والاعلام والتنمية، للبحث وجود فجوة واضحة بين الترسانة القانونية والدستورية للجهوية المتقدمة الداعية للديمقراطية التشاركية والحكامة الجيدة، وبين واقع الممارسة التواصلية لمجلس الجهة التي يغلب عليها الطابع الإخباري الجاف وتغيب عنها الآليات التفاعلية الحقيقية للتقييم والتواصل المستمر مع الساكنة.

وقد أظهر التحليل الوثائقي التفصيلي لـ “برنامج التنمية الجهوية لجهة درعة تافيلالت 2022-2027” غيابا كاملا لأي محور استراتيجي أو برنامج مالي خاص بالتواصل المؤسساتي أو الحكامة الشفافة ضمن المحاور الـ21 والبرامج الـ41 المكونة للمخطط التنموي للجهة، وبينت الدراسة أن الاعتماد على الآليات التشاركية والتواصلية كان حاضرا -من خلال تقديم البرنامج- فقط خلال مراحل تشخيص وصياغة البرنامج عبر اللقاءات التشاورية وورشات العمل، لتختفي هذه الآليات تماما وتهمش خلال مراحل التنفيذ الميداني والمتابعة والتقييم، فضلا عن خلو منظومة التقييم الرسمية المعتمدة من أي مؤشرات محددة تقيس مدى رضا المواطنين وثقتهم أو قياس أثر الرسائل التواصلية الموجهة إليهم، حسب ما وصل إليه الباحث. 

وعلى صعيد استطلاع الآراء الذي شمل عينة استكشافية من ساكنة أقاليم الجهة الخمسة (الرشيدية، ورزازات، ميدلت، تنغير، وزاكورة)، أسفرت النتائج عن مؤشرات سلبية حادة في تقييم جودة التواصل العمومي الجهوي، حيث لم يتجاوز المؤشر المركب لرأي الساكنة 1.58 من أصل 5. وحقق بند “إمكانية التفاعل والاستفسار” أدنى معدل بـ 1.25 من 5، متساويا تقريبا مع “فرص المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار” بنسبة 1.24 من أصل 5؛ وهي نتائج تتطابق بشكل كامل مع ما كشفه التدقيق الرقمي لمنشورات الجهة، حيث ينحصر زهاء 90% من المحتوى الرقمي في تغطية الاستقبالات والاجتماعات والأنشطة المناسباتية لرئيس الجهة وبشكل محتشم جدا بقية المستشارين الجهويين، دون إتاحة البيانات المالية المدققة، أو آجال الإنجاز، أو فتح المجال أمام أسئلة الساكنة والتفاعل معها، على حد مخرجات الدراسة.

كما توقفت الدراسة، التي أعدها خريج المعهد العالي للاعلام والاتصال، عند معطيات نوعية كشفت عنها تصريحات المشاركين في الاستطلاع، والتي أظهرت استمرار الشعور بـ “العزلة التواصلية” لدى ساكنة الأقاليم المحيطة بالمركز الإداري للجهة، فيما أبرزت الشهادات وجود ممارسات تحكمية في إدارة الصفحة الرسمية للجهة على منصة الفايسبوك وهي وسيلة التواصل النشيطة الوحيدة المعتمدة من طرف المجلس، تمثلت في حذف التعليقات والأسئلة النقدية التي تطالب بالكشف عن تفاصيل الميزانيات وآجال تنفيذ المشاريع المتعثرة، بل ووصلت في بعض الأحيان إلى تقييد حسابات مستخدمين ونشطاء إعلاميين؛ وهو ما اعتبرته الدراسة سلوكا ينطوي على تراجع عن الهامش المتاح للتعبير ويعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبَة، يقول الباحث. 

وبناء على هذا التشخيص الشامل، صاغت الدراسة خارطة طريق قائمة على أربعة أركان أساسية للانتقال من “إعلام الأنشطة والحدث” إلى “حكامة تواصلية ترابية” تشرك المواطن في تدبير الشأن العام. وتتمثل هذه الأركان في وجوب صياغة استراتيجية تواصلية مستقلة ومرفقة ببرنامج التنمية الجهوية، وإحداث بوابات إلكترونية تفاعلية تفعل بشكل عملي أحكام القانون المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات (31.13) عبر نشر البطائق التقنية للمشاريع وميزانياتها ونسب إنجازها، إلى جانب إلغاء أساليب الحظر والرقابة الرقمية على الشبكات الاجتماعية واستبدالها بسياسة استماع واستجابة دائمين، فضلا عن إدماج مؤشرات دورية لقياس رضا الساكنة وأثر التواصل ضمن تقارير تتبع السياسات العمومية الجهوية.

↑
Exit mobile version