
سبق ان كتبت مقالا حول “هل يؤدي تغيير الحزب الى تجريد المنتخب من مقعده البرلماني ؟ ” و الذي تناول بشكل متواضع اشكالية التجريد خصوصا و الطعون المقدمة امام المحكمة الدستورية من طرف بعض المترشحين و بعض الاحزاب السياسية الرامية الى طلب تجريد منتمون لهيئاتهم فازوا في الانتخابات التشريعية 2026 و تخلوا عن الانتماء للاحزاب التي ترشحوا باسمها سواء في الغرف المهنية أو الجماعات الترابية لسنة 2021 .
وانسجاما مع ما تناوله المقال من اشكالية قانونية و تفاعلا مع اراء مجموعة من المهتمين و اغناء للنقاش , فتجدر الاشارة ان المحكمة الدستورية سبق لها ان بثت في الملف عدد:177/21 قرار عدد 22/191 الصادر بتاريخ 14 يوليوز 2022 و المنشور بالجريدة الرسمية , و الذي قضى بالغاء انتخاب المطعون في ترشحه عضوا بمجلس النواب و الامر باجراء انتخابات جزئية في تلك الدائرة بخصوص المقعد الذي كان يشغله عملا باحكام المادة 91 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب.
و بالرجوع لوقائع الملف فانها تتلخص في كون احد المترشحين للانتخابات التشريعية لسنة 2021 تقدم بعريضة امام المحكمة الدستورية بتاريخ 08 اكتوبر 2021 في مواجهة احد المترشحين الذي فاز بالمقعد , و اسس عريضته على ان هذا الاخير سبق له أن ترشح باسم حزب سياسي لانتخابات الغرف المهنية صنف الفلاحة، وفاز بمقعد في الانتخابات المذكورةالمجراة يوم 6 أغسطس 2021، ثم ترشح للانتخابات التشريعية ليوم 8 سبتمبر, 2021 بعد أن غَيَّر انتماءه الحزبي، الشيء الذي جعله غير مؤهل للترشح لهذه الانتخابات بمقتضى المادة 21 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية والفقرة الثالثة من المادة 89 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب , طالبا من خلالها إلغاء نتيجة الإقتراع الذي أجري في 8 سبتمبر 2021 باحدى الدوائرالانتخابية المحلية والذي أعلن على إثره إنتخاب احد المترشحين عضوا بمجلس النواب , مسندا في ذلك على الفقرة الرابعة من المادة 24 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب والمواد 21 و22 و28 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية،و التي تنص على التوالي، بصفة خاصة، على أنه: “لا تقبل لوائح الترشيح التي تتضمن أسماء أشخاص ينتمون لأكثر من حزب سياسي واحد”، وعلى أنه: “لا يجوز لأي شخص أن ينخرط في أكثر من حزب سياسي في آن واحد”، وعلى أنه: “يمكن لكل عضو في حزب سياسي، وفي أي وقت شاء، أن ينسحب منه”، وعلى أنه: “يجب على كل حزب سياسي … تقديم مرشحين نزهاء وأكفاء وأمناء…”;
وان الملف و من خلال وثائقه يبين أن المطعون في انتخابه ترشح لانتخابات الغرف المهنية صنف الفلاحة وفاز بمقعد في الانتخابات المذكورة، باسم أحد الأحزاب السياسية، وأنه ترشح لعضوية مجلس النواب برسم الاقتراع المجرى يوم 8 سبتمبر 2021 كوكيل لائحة حزب سياسي آخر، وأودع لائحة ترشيحه بعمالة الاقليم يوم 21 أغسطس2021 .
الا إن المطعون في انتخابه أدلى من جهة أولى، بطلب استقالته من الحزب الذي كان ينتمي إليه في 13 أغسطس 2021 مؤرخ ومصحح الإمضاء، يحمل خاتم توصل الحزب المذكور به في نفس التاريخ، ومن جهة ثانية، بنسخة رسالة موجهة من لدن دفاعه إلى نفس الحزب، مسلمة بواسطة مفوض قضائي يوم 19 أغسطس 2021 مفادها أن موكله يعتبر أن استعاضته بوكيل آخر للائحة الحزب المذكور في الانتخابات التشريعية بالدائرة التي ترشح بها يعتبر طردا منه، وأنه يطلب تسليم موكله قرار الطرد من الحزب داخل أجل 24 ساعة من تاريخ التوصل، وفي حالة مرور الأجل المذكور، فإن ذلك يعتبر إقرارا ضمنيا بالطرد، وأدلى من جهة ثالثة، بقرار طرده من نفس الحزب مؤرخ في 2 سبتمبر 2021.
وحيث تبين للمحكمة الدستورية من خلال التحقيق الذي أنجزته بعين المكان يوم 8 يونيو 2022، ومن الاطلاع على لوائح حضور أعضاء الغرفة الفلاحية التي استقدمتها، أن المطعون في انتخابه حضر في اجتماعي الجمعية العامة العادية والاستثنائية اللذين عقدتهما هذه الغرفة يوم 17 نوفمبر 2021 ووقع على لائحة الحضور, ليكون المطعون في انتخابه بقي منتميا في الواقع إلى الحزب الذي ترشح باسمه لانتخابات الغرف الفلاحية، ولا يشفع له تقديم استقالته من الحزب المذكور من دون أن يتقيد بكل ما يفرضه عليه القانون من نزاهة الموقف ووضوحه وشفافيته تفاديا لكل لبس, كما ان شرط النزاهة المنصوص عليه في المادة 28 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية يشمل كل التدخلين في العملية الانتخابية، وبالخصوص المترشحين الذين يتطلعون إلى تمثيل الأمة في المؤسسات المنتخبة.
لتخلص المحكمة الدستورية في نفس القرار من كون المطعون في انتخابه كان وما يزال ينتمي إلى حزبين سياسيين في آن واحد، إذ انتخب باسم الأول في الغرفة الفلاحية وانتخب باسم الثاني في مجلس النواب , وتأسيسا على ذلك يكون المطعون في انتخابه، حين ترشحه برسم الانتخابات موضوع الطعن، منتميا لأكثر من حزب سياسي واحد، مما يجعل ترشيحه مخالفا للقانون، ويتعين تبعاً لذلك إلغاء انتخابه؛
ومن هنا يمكن القول ان ما اسست عليه المحكمة الدستورية قرارها , يتعلق بانتماء المترشح لأكثر من حزب سياسي واحد و و عللت ذلك على اطلاعها على لوائح حضور أعضاء الغرفة الفلاحية التي استقدمتها،و التي تفيد أن المطعون في انتخابه حضر في اجتماعي الجمعية العامة العادية والاستثنائية اللذين عقدتهما هذه الغرفة يوم 17 نوفمبر 2021 , ووقع على لائحة الحضور و ان استقالته من الحزب لا تشفع له من دون أن يتقيد بكل ما يفرضه عليه القانون من نزاهة الموقف ووضوحه وشفافيته تفاديا لكل لبس.
