منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: الإدارة الجبائية في عصر الذكاء الاصطناعي: حين تتحول البيانات والخوارزميات إلى أداة مركزية للرقابة الضريبية بالمغرب

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

يشهد النظام الجبائي المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولاً عميقاً لم يعد يقتصر على رقمنة التصريحات والأداءات والخدمات المقدمة للملزمين، بل أصبح يمتد تدريجياً إلى صميم عمليات المراقبة وتدبير المخاطر وتحليل المعطيات. فالإدارة الضريبية الحديثة لم تعد تعتمد حصراً على انتقال المفتش إلى مقر المقاولة وفحص الوثائق بطريقة تقليدية، وإنما أصبحت البيانات المحاسبية والجبائية والمالية المتاحة رقمياً تشكل مورداً أساسياً لتحديد المخاطر وتوجيه عمليات المراقبة نحو الملفات الأكثر أهمية.

وتكشف المعطيات المتداولة استناداً إلى حصيلة نشاط المديرية العامة للضرائب برسم سنة 2025 عن تطور واضح في بنية المراقبة الجبائية. فقد تراجعت عمليات المراقبة بعين المكان بنسبة 7% لتستقر في حدود 7.133 عملية، في الوقت الذي ارتفعت فيه المداخيل المحصلة المرتبطة بهذه المراقبة بنسبة 11% لتبلغ نحو 10,67 مليارات درهم. وهذه المفارقة بين انخفاض عدد العمليات وارتفاع مردوديتها تعكس انتقالاً تدريجياً من منطق تكثيف المراقبة إلى منطق الاستهداف المبني على تحليل المخاطر وانتقاء الملفات ذات الرهانات المالية والجبائية الأكبر.

وفي الاتجاه نفسه، عرفت المراقبة على الوثائق ارتفاعاً مهماً بنسبة 35%، لتصل إلى 82.017 ملفاً، وهو ما يؤكد أن الرقابة الجبائية أصبحت قادرة على الاشتغال بصورة متزايدة عن بُعد، اعتماداً على المعلومات المتوفرة لدى الإدارة وعلى المقارنات الممكنة بين مختلف التصريحات والمعاملات. ووفق المعطيات المنشورة، استهدفت هذه المراقبة بنسبة مهمة الأشخاص الذاتيين المهنيين والأفراد، بينما تركزت نسبة كبيرة من المراقبة بعين المكان على الأشخاص المعنويين، وهو ما يعكس توجهاً نحو توزيع أدوات الرقابة بحسب طبيعة المخاطر وحجمها.

إن التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة الجبائية يغير، في تقديري، فلسفة المراقبة نفسها. ففي النموذج التقليدي، كان اكتشاف المخالفة أو التناقض يرتبط في جزء كبير منه بالفحص الذي يجريه المفتش بعد اختيار الملف للمراقبة. أما في النموذج القائم على البيانات، فإن تحليل المخاطر يمكن أن يسبق عملية المراقبة ويوجهها، من خلال رصد التناقضات والمؤشرات غير الاعتيادية ومقارنة البيانات المتوفرة لدى الإدارة.

ومن هنا تبرز أهمية رقمنة البيانات المحاسبية وقابلية استغلالها إلكترونياً. فكلما أصبحت المحاسبة أكثر تنظيماً وهيكلة، ازدادت قدرة الأنظمة المعلوماتية على إجراء المقارنات والكشف عن الاختلالات المحتملة. وقد يتعلق الأمر، على سبيل المثال، بعدم الانسجام بين رقم المعاملات المصرح به وبعض المعطيات المالية المتاحة، أو بين تصريحات ضريبية مختلفة، أو بين العمليات المسجلة محاسبياً والوثائق التي يفترض أن تبررها

ويزداد هذا التحول أهمية مع التطور التدريجي لمنظومة الفوترة الإلكترونية وتبادل البيانات. فالفاتورة الرقمية ليست مجرد بديل تقني للفاتورة الورقية، بل يمكن أن تصبح، متى اكتملت المنظومة القانونية والتقنية والتنظيمية المرتبطة بها، مصدراً منظماً للبيانات يسمح بتحسين التتبع والشفافية وتقليص الفجوة بين وقوع العملية الاقتصادية والتصريح عنها ضريبياً.

وتشير المعطيات المنشورة كذلك إلى بلوغ المداخيل الإضافية الناتجة عن عمليات المراقبة نحو 20,9 مليار درهم خلال سنة 2025، بارتفاع قدره 18%. كما سجلت المداخيل المرتبطة بمراقبة الأرباح العقارية وواجبات التسجيل ارتفاعاً بنسبة 28% لتبلغ حوالي 3,72 مليارات درهم. وتعكس هذه الأرقام الأهمية المتزايدة للبيانات في مراقبة العمليات العقارية والمالية، خصوصاً عندما يمكن للإدارة مقارنة المعلومات الواردة من مصادر متعددة واكتشاف حالات عدم الانسجام التي تستوجب الفحص.

غير أن الحديث عن «الخوارزمية» أو «الذكاء الاصطناعي» في المجال الجبائي يجب أن يتم بدقة قانونية ومهنية. فالخوارزمية، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات، لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الضمانات القانونية للمُلزم أو عن المساطر المنصوص عليها في التشريع الجبائي. فهي أداة للمساعدة على تحليل المخاطر والكشف عن المؤشرات وتوجيه المراقبة، بينما يظل التصحيح الضريبي خاضعاً للقواعد القانونية والمساطر التواجهية وحقوق الدفاع والطعن المقررة للملزم.

وهنا سيظهر أحد أهم التحديات المستقبلية للقانون الجبائي: كيف يمكن التوفيق بين فعالية الرقابة القائمة على البيانات وبين حق الملزم في فهم الأساس الذي بُني عليه التصحيح ومناقشته والطعن فيه؟ فإذا كانت الإدارة تستند إلى تقاطعات معقدة للبيانات أو إلى نماذج آلية لتقييم المخاطر، فإن مبدأ الشفافية والأمن القانوني يقتضي أن يبقى القرار الإداري النهائي قابلاً للتفسير والتعليل والمناقشة وفقاً للقانون.

وبالنسبة للمقاولات، فإن هذه التحولات تفرض إعادة النظر في مفهوم الامتثال الضريبي. فلم يعد كافياً إعداد التصريحات داخل الآجال القانونية فقط، بل أصبح ضرورياً التأكد من الاتساق الدائم بين المحاسبة والتصريحات الضريبية والفواتير والعقود والحسابات البنكية والعمليات التجارية والوثائق المؤيدة لها. فالخطأ الذي كان من الممكن ألا يظهر سريعاً في المحاسبة التقليدية قد يصبح قابلاً للرصد بسهولة أكبر عندما تتم مقارنة آلاف البيانات بطريقة آلية.

وهذا الواقع يفرض كذلك تحولاً في دور المحاسب والمحاسب المعتمد والخبير المحاسب والمدقق والمستشار الجبائي. فالمهني لم يعد مطالباً فقط بإنتاج القوائم التركيبية والتصريحات، وإنما أصبح مطالباً بالمساهمة في بناء منظومة وقائية للامتثال، تقوم على المراجعة الدورية للبيانات، واختبار اتساق التصريحات، وتوثيق العمليات، ووضع مسارات واضحة للتدقيق والمصادقة الداخلية.

ومن هذا المنطلق، تحتاج المقاولات المغربية، وخاصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، إلى الانتقال من «المحاسبة من أجل التصريح» إلى «المحاسبة القابلة للتدقيق الرقمي». ويعني ذلك أن تكون كل عملية مهمة قابلة للتتبع من مصدرها إلى تسجيلها المحاسبي ثم إلى انعكاسها في التصريح الجبائي، مع الاحتفاظ بالوثائق والمبررات اللازمة في إطار نظام معلوماتي منظم وآمن.

كما أن هذا التحول يطرح تحدياً يتعلق بجودة البيانات نفسها. فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لا يصححان تلقائياً ضعف المعلومة الأصلية؛ فإذا كانت البيانات غير دقيقة أو غير مكتملة، فقد تؤدي عمليات المعالجة والمقارنة إلى مؤشرات تحتاج إلى التحقق البشري والقانوني. لذلك يجب أن يتطور الاستثمار في التكنولوجيا بالتوازي مع تحسين جودة البيانات وحكامة الأنظمة المعلوماتية وحماية المعطيات وضمان حقوق الملزمين.

إن مستقبل الرقابة الجبائية بالمغرب يتجه، على الأرجح، نحو نموذج أكثر اعتماداً على الرقمنة وتحليل المخاطر والربط بين قواعد البيانات، وهو تحول يمكن أن يحقق مكاسب مهمة للدولة من حيث مكافحة الغش وتحسين التحصيل، كما يمكن أن يخدم المقاولات الملتزمة من خلال تبسيط الإجراءات وتسريع معالجة الملفات والحد من المنافسة غير المشروعة الناتجة عن التهرب الضريبي.

غير أن نجاح هذا النموذج لا يقاس فقط بحجم المداخيل الإضافية المحصلة، بل أيضاً بقدرته على تحقيق التوازن بين فعالية الإدارة وحماية حقوق الملزمين، وبين سرعة المعالجة ودقة القرار، وبين قوة الخوارزمية وضرورة الرقابة البشرية والقانونية عليها.

وفي الختام، فإن التحول الجاري لا يعني نهاية المراقب أو المفتش الضريبي بقدر ما يعني تغير طبيعة عمله. فالبيانات والخوارزميات يمكنها تحديد المخاطر واكتشاف التناقضات بسرعة غير مسبوقة، لكن القانون يظل هو المرجع الذي يمنح القرار مشروعيته. وبالنسبة للمقاولة، فإن الرسالة الأساسية أصبحت واضحة: الامتثال الجبائي لم يعد عملية موسمية مرتبطة بموعد التصريح، بل أصبح منظومة مستمرة تبدأ من جودة المعلومة المحاسبية وتنتهي بالقدرة على إثبات صحة كل عملية عند الحاجة.

إننا ننتقل تدريجياً من زمن كانت فيه الإدارة تبحث عن الخطأ داخل الملفات، إلى زمن تستطيع فيه الأنظمة الرقمية الإشارة إلى الملف قبل فتحه. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي للمقاولات المغربية في السنوات المقبلة لن يكون فقط معرفة كيفية التعامل مع المراقبة الضريبية بعد وقوعها، وإنما بناء محاسبة وحكامة جبائية قادرتين على اجتياز اختبار البيانات قبل أن يصل الملف أصلاً إلى مكتب المراقب..

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى