سبعة وعشرون عامًا من حكم جلالة الملك محمد السادس: حصيلة بناء الدولة الاجتماعية والصاعدة ورهانات المغرب المتقدم

دراسة قانونية وتنموية في التحولات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية للمملكة المغربية بين 1999 و2026
بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
خبير في الحكامة والتدقيق والتحكيم – باحث في القانون والاقتصاد
ملخص
يشكل الاحتفال بعيد العرش المجيد لسنة 2026 مناسبة وطنية لاستحضار سبعة وعشرين عامًا من حكم صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، منذ اعتلائه العرش في 30 يوليوز 1999. وقد شهدت المملكة خلال هذه المرحلة تحولات دستورية واقتصادية واجتماعية ودبلوماسية عميقة، تجلت في اعتماد دستور سنة 2011، وتحديث البنيات التحتية، وتنويع القاعدة الصناعية، وإطلاق ورش الحماية الاجتماعية، وتعزيز الحضور الإفريقي والدولي للمغرب، وتحقيق مكاسب متراكمة في قضية الصحراء المغربية.
وتتناول هذه الدراسة حصيلة أبرز الإصلاحات والأوراش الكبرى، مع تحليل تحديات التشغيل والتعليم والصحة والعدالة المجالية والأمن المائي والانتقال الرقمي. كما تتوقف عند دلالات إقرار «عيد الوحدة»، وتدشين برج محمد السادس، وإطلاق القطار فائق السرعة «البراق»، واحتضان المملكة لمؤتمرات وملتقيات دولية بارزة، ومنها مؤتمر الأطراف حول المناخ «كوب 22»، ومؤتمر مراكش حول الهجرة، والاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي.
وتخلص الدراسة إلى أن المغرب انتقل من مرحلة بناء التجهيزات الأساسية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها جودة السياسات العمومية، وقياس أثر الاستثمار، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع المواطن في صلب التنمية.
الكلمات المفتاحية: عيد العرش؛ الملك محمد السادس؛ دستور 2011؛ الحكامة؛ الحماية الاجتماعية؛ الصحراء المغربية؛ عيد الوحدة؛ التنمية البشرية؛ الانتخابات؛ الدبلوماسية؛ كوب 22؛ المغرب 2030.
مقدمة
يحل عيد العرش المجيد في 30 يوليوز 2026، ليخلد الشعب المغربي مرور سبعة وعشرين عامًا على اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه المنعمين في 30 يوليوز 1999. وتمثل هذه المناسبة لحظة دستورية ووطنية متجددة، تستحضر استمرارية المؤسسة الملكية وروابط البيعة، كما تتيح تقييم مسار الإصلاح والتنمية الذي عرفته المملكة خلال أكثر من ربع قرن.
ولا ينبغي أن تتحول قراءة هذه المرحلة إلى مجرد تعداد احتفالي للمشاريع والمنجزات، كما لا يجوز اختزالها في الصعوبات والاختلالات. فالتحليل العلمي المنصف يقتضي الجمع بين تثمين ما تحقق، وتشخيص ما بقي منتظرًا، وقياس أثر السياسات العمومية على المواطن والمجال والمؤسسة.
لقد حافظ المغرب، في محيط دولي وإقليمي مضطرب، على استمرارية الدولة واستقرار المؤسسات، وأطلق أوراشًا كبرى شملت الدستور، والجهوية، والبنيات التحتية، والصناعة، والطاقات المتجددة، والحماية الاجتماعية، والدبلوماسية الإفريقية، والرياضة. وفي المقابل، ظلت قضايا التشغيل وجودة المدرسة والصحة وتفاوت التنمية بين الجهات من أبرز التحديات التي تحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
تعتمد هذه الدراسة منهجًا وصفيًا وتحليليًا قانونيًا، بالرجوع إلى المقتضيات الدستورية والتشريعية، والمعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، والأمانة العامة للحكومة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وصندوق النقد الدولي، والاتحاد الدولي لكرة القدم، وغيرها من المؤسسات الرسمية.
أولًا: التحول الدستوري وترسيخ دولة المؤسسات
شكل دستور فاتح يوليوز 2011 محطة مركزية في مسار الإصلاح المؤسساتي. فقد كرس مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلال السلطة القضائية، والجهوية المتقدمة، والديمقراطية التشاركية، وحماية الحقوق والحريات، ومكانة مؤسسات الحكامة والنزاهة والمنافسة.
كما اعترف الدستور بالأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وأكد تعدد روافد الهوية المغربية، ورسخ سمو الدستور باعتباره المرجعية العليا للنظام القانوني الوطني.
غير أن وجود نص دستوري متقدم لا يؤدي تلقائيًا إلى تحقيق جميع أهدافه؛ إذ تظل قيمة الدستور مرتبطة بمدى تنزيله في القوانين والسياسات والممارسات الإدارية، وبمدى استقلال المؤسسات وفعاليتها، وسرعة القضاء، وجودة التشريع، وإمكانية مساءلة المسؤولين عن النتائج.
ويقتضي استكمال هذا الورش تعزيز الرقابة البرلمانية، وتطوير تقييم السياسات العمومية، وتحسين جودة التشريع، وتنزيل الجهوية المتقدمة، وتوسيع المشاركة المواطنة، وتقوية استقلال الهيئات الدستورية، وجعل المرفق العمومي أكثر قربًا وإنصافًا وفعالية.
ثانيًا: الاتفاقيات الدولية ومكانتها في النظام الدستوري المغربي
انخرط المغرب في عدد كبير من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتجارة والمناخ والتعاون الأمني والاجتماعي والاقتصادي. ويؤطر الفصل 55 من الدستور مسطرة توقيع المعاهدات والمصادقة عليها، كما يوجب عرض بعض أصناف المعاهدات على البرلمان قبل المصادقة، لا سيما المعاهدات التي تترتب عنها تكاليف مالية تلزم الدولة، أو التي تمس مقتضيات تشريعية، أو تتعلق بحقوق وحريات المواطنين.
ويؤكد تصدير دستور 2011 التزام المملكة بجعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، مع العمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه المصادقة.
ومن الناحية القانونية، يجب التمييز بين المعاهدة الدولية باعتبارها اتفاقًا بين أشخاص القانون الدولي، والتشريع الوطني الذي يصدر عن المؤسسات الدستورية المختصة. لذلك فإن التعبير الأدق هو «الاتفاقيات والالتزامات الدولية للمملكة»، وليس «التشريعات الدولية».
ولا يقاس الانخراط الدولي بكثرة الاتفاقيات المصادق عليها فقط، وإنما بمدى نشرها وتنفيذها وملاءمة القانون الوطني معها، وتقديم التقارير الدورية إلى الهيئات الدولية، وضمان انسجامها مع الدستور والثوابت الوطنية. وتتيح الأمانة العامة للحكومة في فهارس الجريدة الرسمية البحث في النصوص المتعلقة بالمعاهدات الدولية والقوانين الموافقة عليها، وهو ما يعكس خضوعها لمسار قانوني ومؤسساتي محدد.
ثالثًا: الاقتصاد الوطني بين التنويع والصمود
انتقل الاقتصاد المغربي خلال العهد الجديد نحو قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا، تشمل صناعة السيارات والطيران، والصناعات الكهربائية والإلكترونية، والفوسفاط ومشتقاته، والصناعات الغذائية، والخدمات، والطاقات المتجددة، واللوجستيك.
وأظهرت الحسابات الوطنية للمندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد المغربي سجل نموًا بنسبة 4.9% خلال سنة 2025، مقابل 4.4% سنة 2024. كما نمت الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 3.9%، بينما ارتفعت القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بنسبة 8.2%. وهذه أرقام رسمية منشورة في يونيو 2026، وينبغي قراءتها في سياق استمرار تأثر الاقتصاد بالتقلبات المناخية والدولية.
وقد أسهمت الاستثمارات العمومية والخاصة في الطرق السيارة والسكك الحديدية والمطارات والموانئ والمناطق الصناعية في تعزيز جاذبية المملكة وربطها بسلاسل الإنتاج والتجارة الدولية.
ويبرز ميناء طنجة المتوسط بوصفه أحد أهم رموز التحول اللوجستي والصناعي، لكونه منصة مينائية وصناعية تربط المغرب بالأسواق الأوروبية والإفريقية والعالمية. ولا تتحدد أهمية المشروع في حجم حركة الحاويات فقط، بل في المنظومة الصناعية واللوجستية التي نشأت حوله، ودورها في استقطاب قطاعات السيارات والتصدير والخدمات.
غير أن نجاح النموذج الاقتصادي في المرحلة المقبلة يتطلب رفع الإدماج المحلي، ودعم المقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة، وتطوير البحث والتطوير، وتشجيع الصناعة ذات القيمة المضافة العالية، وربط الامتيازات الاستثمارية بخلق فرص الشغل ونقل التكنولوجيا وتنمية الجهات.
رابعًا: الابتكار والبحث العلمي والسيادة الرقمية
حقق المغرب تقدمًا في مؤشر الابتكار العالمي لسنة 2025، إذ احتل المرتبة 57 من أصل 139 اقتصادًا، والمرتبة الرابعة بين 37 اقتصادًا من فئة الدخل المتوسط الأدنى. واعتبرت المنظمة العالمية للملكية الفكرية أن هذا الترتيب هو الأفضل للمغرب منذ إطلاق المؤشر.
ويعكس هذا التقدم تطورًا في القدرات الصناعية، والملكية الفكرية، والتصاميم الصناعية، وبعض مخرجات الاقتصاد المعرفي. ومع ذلك، تظهر تفاصيل المؤشر أن الرأسمال البشري والبحث العلمي ما زالا من المجالات التي تحتاج إلى تحسين كبير، إذ جاء ترتيب المغرب في محور الرأسمال البشري والبحث في مرتبة أدنى من ترتيبه الإجمالي.
ويفرض عصر الذكاء الاصطناعي تعزيز تمويل البحث العلمي، وربط الجامعة بالمقاولة، وحماية المعطيات الشخصية، وتطوير الأمن السيبراني، وتكوين الكفاءات في البرمجة والتحليل والروبوتات والتكنولوجيا الصناعية.
فالمغرب لا يمكنه الاكتفاء باستهلاك الحلول الرقمية المستوردة؛ بل ينبغي أن ينتقل تدريجيًا إلى إنتاج البرمجيات والخدمات والمنصات والحلول الصناعية الوطنية، في إطار يوازن بين الابتكار وحماية الحقوق والحريات.
خامسًا: البنيات التحتية والقطار فائق السرعة
مثل إطلاق القطار فائق السرعة «البراق» محطة نوعية في تحديث النقل السككي بالمملكة. وقد دشنه جلالة الملك محمد السادس في 15 نونبر 2018، ليشكل أول منظومة قطار فائق السرعة في القارة الإفريقية، ويربط طنجة بالقنيطرة والرباط والدار البيضاء.
ويتجاوز أثر «البراق» البعد التقني؛ فهو يساهم في تقليص زمن السفر، وتقوية الربط بين المراكز الاقتصادية، وتحسين جاذبية المدن، ونقل الخبرة التقنية، وإعادة تنظيم حركة الأشخاص والاستثمارات.
ويظل التحدي الأساسي في ضمان تكامل القطار فائق السرعة مع الشبكة السككية العادية ووسائل النقل الحضري، وتوسيع أثره الترابي، وضمان استدامة التمويل وجودة الخدمة وسلامتها.
كما تشكل الطرق السيارة، والمطارات، والموانئ، والسدود، ومحطات تحلية مياه البحر، ومشاريع الربط الكهربائي، مكونات أساسية للبنية الاستراتيجية للمملكة، لكنها تحتاج إلى التقييم المستمر من حيث التكلفة والفعالية والأثر الاجتماعي والبيئي.
سادسًا: برج محمد السادس والتحول العمراني
شهد محور الرباط–سلا سنة 2026 تدشين برج محمد السادس، الذي أشرف على تدشينه، بأمر من جلالة الملك، صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن في 13 أبريل 2026. ويبلغ ارتفاع البرج 250 مترًا ويتكون من 55 طابقًا، ويضم فندقًا ومكاتب وإقامات ومرافق متعددة، كما يشمل واجهة مجهزة بألواح كهروضوئية، في إطار اعتماد معايير للنجاعة الطاقية والبناء المستدام.
ويمثل البرج عنصرًا بارزًا ضمن مشروع تهيئة وادي أبي رقراق وتحول الرباط إلى «مدينة الأنوار»، كما يعكس تطور القدرات الهندسية والعمرانية للمملكة.
غير أن القراءة التنموية المتوازنة تقتضي عدم التعامل مع الأبراج والمشاريع الرمزية باعتبارها غاية في ذاتها؛ فقيمتها الحقيقية ترتبط بما تضيفه إلى الاقتصاد والسياحة والتشغيل والتأهيل الحضري، ومدى تكاملها مع حاجيات السكان والنقل والخدمات والمساحات العامة.
سابعًا: الانتقال الطاقي ومؤتمر «كوب 22»
أصبحت الطاقات المتجددة جزءًا من استراتيجية المغرب للحد من التبعية الطاقية وتعزيز الأمن الاقتصادي. وتشمل هذه الاستراتيجية مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، ومجمع نور بورزازات، والبحث في فرص الهيدروجين الأخضر، وتطوير الشبكات والربط الكهربائي.
وقد احتضنت مدينة مراكش الدورة الثانية والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، المعروفة بـ«كوب 22»، خلال الفترة من 7 إلى 18 نونبر 2016. وشملت الدورة كذلك اجتماع الأطراف في بروتوكول كيوتو وأول اجتماع للأطراف في اتفاق باريس.
وجاء المؤتمر بعد دخول اتفاق باريس حيز التنفيذ، وأسهم في الانتقال من مرحلة التفاوض حول المبادئ العامة إلى مناقشة التنفيذ والتمويل والتكيف ونقل التكنولوجيا والعمل المناخي.
ويظل الاختبار الحقيقي للسياسة المناخية المغربية مرتبطًا بقدرتها على حماية المواطنين من آثار الجفاف والفيضانات والإجهاد المائي، وتحسين كفاءة استعمال الماء والطاقة، ودعم الفلاحة المستدامة، وتجنب تحميل الفئات الهشة الكلفة الاجتماعية للانتقال البيئي.
ثامنًا: الدولة الاجتماعية والحماية الصحية
يعد ورش تعميم الحماية الاجتماعية من أبرز التحولات التشريعية والاجتماعية في المغرب. وقد وضع القانون-الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية الإطار العام لتعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتوسيع التعويضات العائلية، وتوسيع أنظمة التقاعد، وتطوير التعويض عن فقدان الشغل.
ويهدف هذا الورش إلى الانتقال من منطق المساعدات المتفرقة إلى منظومة اجتماعية قائمة على الحقوق والاستهداف والتسجيل القانوني. كما تم اعتماد «أمو تضامن» لفائدة الأشخاص غير القادرين على تحمل الاشتراكات، وربطه بالسجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد.
لكن نجاح التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لا يقاس بعدد المسجلين فقط. فالحق في العلاج يتطلب توافر المستشفى والطبيب والدواء والمواعيد، وتقليص المبالغ المتبقية على عاتق الأسر، وتحقيق التوازن بين القطاعين العام والخاص، وضمان الاستدامة المالية للأنظمة.
لذلك ينبغي أن يواكب توسيع التغطية إصلاح فعلي للعرض الصحي، وتأهيل الموارد البشرية، وتحسين الحكامة والاستقبال والرقمنة، وتقليص الفوارق بين المدن والقرى والجهات.
كما تعزز مسار الدولة الاجتماعية بإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، وتطوير أنظمة الاستهداف، واستمرار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ سنة 2005، وإعادة هيكلة المنظومة الصحية وفق القانون-الإطار رقم 06.22.
تاسعًا: التنمية البشرية بين التحسن واستمرار التفاوت
وفق تقرير التنمية البشرية لسنة 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بلغ مؤشر التنمية البشرية للمغرب 0.710، واحتلت المملكة المرتبة 120 من أصل 193 دولة وإقليمًا، لتدخل فئة التنمية البشرية المرتفعة. كما بلغ متوسط العمر المتوقع 75.3 سنة وفق بيانات التقرير.
ويظهر المسار التاريخي للمؤشر ارتفاع قيمته من 0.451 سنة 1990 إلى 0.710 وفق أحدث البيانات المعتمدة في تقرير 2025، وهو ما يعكس تحسنًا طويل المدى في الصحة والتعليم والدخل.
لكن المؤشر المعدل حسب عدم المساواة ينخفض إلى 0.517، بما يمثل خسارة قدرها 27.2% مقارنة بالمؤشر الأصلي. وتدل هذه الفجوة على أن متوسطات التنمية لا تعكس بصورة كاملة تفاوت توزيع الدخل والتعليم والصحة بين السكان والجهات.
ومن ثَمَّ، فإن التحدي لم يعد رفع المؤشرات الوطنية الإجمالية فقط، بل تقليص الفجوات بين الجهات، وبين الوسطين الحضري والقروي، وبين النساء والرجال، وبين الأسر بحسب مستويات الدخل.
عاشرًا: التشغيل والتعليم ورهان الرأسمال البشري
يمثل التشغيل أحد أكثر الملفات إلحاحًا، خاصة بالنسبة إلى الشباب وحاملي الشهادات والنساء. ويقتضي التعامل معه الانتقال من البرامج المؤقتة إلى سياسة اقتصادية متكاملة تربط الاستثمار والتكوين والجباية والصناعة بخلق فرص شغل مستقرة ومنتجة.
كما يجب أن يصبح إصلاح التعليم قضية سيادية لا مجرد ملف قطاعي. فالتنمية الاقتصادية لا يمكن أن تستمر دون مدرسة جيدة، وجامعة منتجة للمعرفة، وتكوين مهني مرتبط بالتحولات الصناعية والرقمية.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى تحسين التعلمات الأساسية، وتقليص الهدر المدرسي، وتوسيع التعليم الأولي، وتطوير اللغات والمهارات الرقمية، ودعم البحث العلمي، وربط التمويل العمومي للجامعات بنتائج قابلة للتقييم دون الإضرار باستقلالها الأكاديمي.
إن بناء الموانئ والمصانع والقطارات لا يحقق أثره الكامل دون بناء الإنسان القادر على إدارتها وتطويرها وابتكار أجيال جديدة منها.
حادي عشر: قضية الصحراء المغربية ومبادرة الحكم الذاتي
قدمت المملكة المغربية إلى الأمم المتحدة في 11 أبريل 2007 مبادرة للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء، بوصفها مبادرة للتوصل إلى حل سياسي وتوافقي ودائم للنزاع الإقليمي. والوثيقة مسجلة رسميًا في المكتبة الرقمية للأمم المتحدة.
وقد تزايد خلال السنوات الأخيرة دعم عدد من الدول للمبادرة المغربية، إلى جانب افتتاح تمثيليات قنصلية في العيون والداخلة، وتوسيع الاستثمارات والبنيات التحتية في الأقاليم الجنوبية.
واعتمد مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 القرار رقم 2797، الذي مدد ولاية بعثة «المينورسو» إلى 31 أكتوبر 2026. وتضمن القرار دعوة الأطراف إلى الانخراط في المناقشات، واتخاذ مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للمفاوضات بهدف التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول، منسجم مع ميثاق الأمم المتحدة. كما ورد فيه أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتطبيق.
وتقتضي الأمانة العلمية والقانونية عرض مضمون قرارات مجلس الأمن كما ورد، دون إضافة أو حذف أو تحميل النصوص ما لا تحتمله. فقرارات المجلس جزء من مسار أممي سياسي، بينما تستند المملكة في موقفها إلى التاريخ والشرعية الوطنية والتنمية والممارسة المؤسساتية والدعم الدبلوماسي المتراكم.
وقد أصبحت تنمية الأقاليم الجنوبية جزءًا من المقاربة المغربية؛ إذ لا تنفصل السيادة عن الاستثمار، ومشاركة السكان، والمؤسسات المنتخبة، والعدالة الاجتماعية، والحقوق، وتأهيل المجال.
ثاني عشر: عيد الوحدة ودلالاته الوطنية
قرر جلالة الملك محمد السادس جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدًا وطنيًا تحت اسم «عيد الوحدة»، وفق بلاغ للديوان الملكي صدر في 4 نونبر 2025. وجاء القرار اعتبارًا للتحول الذي عرفه مسار القضية الوطنية عقب قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025.
ويمثل عيد الوحدة مناسبة لتجديد التشبث بالوحدة الوطنية والترابية للمملكة، واستحضار التلاحم بين العرش والشعب، وربط الدفاع عن القضية الوطنية بالعمل والتعبئة والتنمية.
ولا ينبغي اختزال دلالة العيد في الاحتفال الرمزي؛ بل يتعين أن يكون مناسبة لتعزيز المعرفة بتاريخ القضية الوطنية، وترسيخ المواطنة، وتشجيع البحث العلمي والقانوني والدبلوماسي حول الوحدة الترابية، وإشراك الشباب في الدفاع المسؤول عن مصالح المملكة.
ثالث عشر: الحضور الإفريقي والدبلوماسية متعددة الأبعاد
عزز المغرب حضوره الإفريقي، خصوصًا بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وتوسيع استثماراته في الأبناك والاتصالات والتأمين والأسمدة والصناعة والتكوين.
كما أطلق مبادرات ذات بعد قاري، من بينها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، والمبادرة الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، فضلًا عن التعاون في مجالات الأمن الغذائي والتكوين الديني ومحاربة الإرهاب.
وقد انتقلت السياسة الإفريقية المغربية من العلاقات الدبلوماسية التقليدية إلى شراكات تشمل الاستثمار والتكوين والأمن والطاقة والبنية التحتية. غير أن استدامة هذا الحضور تتطلب حماية الاستثمارات، وفهم الخصوصيات الوطنية للدول الإفريقية، وتشجيع نقل المعرفة والتعاون المتكافئ.
رابع عشر: الملتقيات الدولية وإشعاع مراكش
كرست المملكة موقعها فضاءً لاستضافة الملتقيات والمؤتمرات الدولية. وإلى جانب «كوب 22»، احتضنت مراكش يومي 10 و11 دجنبر 2018 المؤتمر الحكومي الدولي لاعتماد الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، تحت إشراف الأمم المتحدة.
كما احتضنت مراكش الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي خلال الفترة من 9 إلى 15 أكتوبر 2023، وهي اجتماعات تناولت الاقتصاد العالمي والتنمية والتمويل والمناخ والديون والإصلاحات.
وتبرز هذه التظاهرات قدرة المغرب على التنظيم والأمن والخدمات الدبلوماسية واللوجستية، كما تمنح المملكة فرصة للتأثير في النقاشات الدولية وتسويق مؤهلاتها الاقتصادية والسياحية.
لكن استضافة المؤتمرات يجب أن ترتبط بإرث معرفي ومؤسساتي، من خلال إشراك الجامعات والباحثين والمقاولات والمجتمع المدني، وتحويل التوصيات والاتصالات الدولية إلى مشاريع وشراكات ملموسة.
خامس عشر: الرياضة والدبلوماسية الناعمة
حقق المنتخب المغربي لكرة القدم إنجازًا تاريخيًا في كأس العالم قطر 2022، بعد بلوغه نصف النهائي كأول منتخب إفريقي وعربي يصل إلى هذا الدور.
وفي 11 دجنبر 2024، عين مؤتمر الاتحاد الدولي لكرة القدم المغرب والبرتغال وإسبانيا دولًا مستضيفة لكأس العالم 2030، مع إقامة ثلاث مباريات للاحتفال بالمئوية في الأرجنتين والباراغواي والأوروغواي. وقد اتخذ القرار بالتزكية من الاتحادات الأعضاء في «فيفا».
ويمثل تنظيم كأس العالم فرصة لتطوير الملاعب والسكك والمطارات والنقل الحضري والسياحة والتكوين، لكنه يطرح في الوقت نفسه متطلبات الحكامة والشفافية وضبط التكلفة والآجال.
وينبغي تقييم أثر الاستثمارات الرياضية من حيث فرص الشغل والاستفادة المجالية والإرث الذي سيبقى بعد البطولة، مع ضمان عدم تأثيرها في تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.
كما يتعين تطوير الرياضة المدرسية والنسوية ورياضة الأشخاص في وضعية إعاقة، وتوسيع فضاءات الممارسة في الأحياء والقرى، حتى تصبح الرياضة سياسة صحية وتربوية واجتماعية، لا مجرد نتائج في المنافسات الكبرى.
سادس عشر: الانتخابات وتجديد الثقة السياسية
شكلت انتخابات 8 شتنبر 2021 محطة دستورية جمعت الانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية، وأدت إلى تجديد المؤسسات المنتخبة وتشكيل أغلبية حكومية جديدة.
ومع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لا ينحصر الرهان في احترام الموعد والإجراءات، بل يشمل جودة العرض السياسي، ونزاهة التنافس، ومحاربة استعمال المال والنفوذ، وتعزيز مشاركة النساء والشباب والكفاءات، وتجديد النخب.
فالانتخابات ليست غاية في ذاتها؛ بل وسيلة لإنتاج مؤسسات ذات شرعية، قادرة على التشريع والمراقبة وتنفيذ البرامج ومحاسبة المسؤولين.
ويتطلب تعزيز الثقة السياسية تقوية استقلالية القرار الحزبي، والديمقراطية الداخلية، ووضوح البرامج، ونشر المعطيات المتعلقة بالتمويل، وربط الوعود الانتخابية بآليات للتتبع والتقييم.
سابع عشر: رهانات الأمن المائي والغذائي والطاقي
أصبحت ندرة المياه من أكبر التحديات البنيوية للمغرب، نتيجة توالي سنوات الجفاف، وتراجع الموارد المائية، وارتفاع الطلب الحضري والفلاحي والصناعي.
وتشمل الاستجابة الوطنية بناء السدود، وتحلية مياه البحر، وربط الأحواض، وإعادة استعمال المياه العادمة، وحماية الفرشات الجوفية، وتحسين شبكات التوزيع.
غير أن الحلول التقنية وحدها لا تكفي؛ إذ تحتاج المملكة إلى مراجعة حكامة الماء، وتسعيره واستعماله، واختيار الزراعات الملائمة، ومواجهة الاستغلال غير القانوني، وإدماج الأمن المائي في قرارات التعمير والاستثمار والصناعة.
كما يرتبط الأمن الغذائي بتطوير فلاحة قادرة على التكيف المناخي، وتحسين التخزين والنقل والتوزيع، ودعم البحث الزراعي، وحماية الفلاح الصغير، وتقليل الهدر.
ثامن عشر: من حجم الأوراش إلى قياس الأثر
تؤكد حصيلة سبعة وعشرين عامًا أن المغرب نجح في إطلاق مشاريع كبرى وتحديث جزء واسع من بنياته الأساسية. غير أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من قياس عدد المشاريع والاعتمادات المالية إلى قياس النتائج الفعلية.
فنجاح المستشفى يقاس بجودة العلاج ومدة الانتظار، ونجاح المدرسة بمستوى التعلمات، ونجاح الاستثمار بعدد الوظائف وقيمتها، ونجاح الرقمنة بتبسيط المساطر، ونجاح الجهوية بتقليص الفوارق بين المجالات.
كما ينبغي تطوير آليات التدقيق والتقييم وربط التمويل بالنتائج، وتقوية دور البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والمؤسسات الدستورية، ونشر المعطيات بصورة واضحة تسمح للمواطن والباحث والصحافة بتقييم السياسات.
إن الحكامة ليست خطابًا أخلاقيًا مجردًا؛ بل منظومة تشمل تحديد المسؤوليات، وشفافية القرار، وتقييم المخاطر، والرقابة، والمساءلة، وتصحيح الاختلالات.
خاتمة
إن سبعة وعشرين عامًا من حكم جلالة الملك محمد السادس تمثل مرحلة غنية بالإصلاحات والأوراش والتحولات. فقد تطور الإطار الدستوري، وتوسعت البنيات التحتية، وتعزز التصنيع، وانطلقت الحماية الاجتماعية، وترسخ الحضور الإفريقي والدولي للمغرب، وتراكم الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، وأصبح المغرب وجهة للملتقيات الكبرى والتظاهرات الرياضية العالمية.
وفي الوقت نفسه، ما زالت المملكة تواجه تحديات التشغيل والتعليم والصحة والماء والعدالة المجالية والبحث العلمي والثقة السياسية. ولذلك فإن المحافظة على المكتسبات تتطلب الانتقال من إطلاق المشاريع إلى ضمان أثرها، ومن تعدد البرامج إلى التقائيتها، ومن المسؤولية الشكلية إلى المحاسبة القائمة على النتائج.
إن المغرب المتقدم ليس فقط مغرب الموانئ والأبراج والقطارات والملاعب، بل هو أيضًا مغرب المدرسة الجيدة، والمستشفى المنصف، والقضاء الفعال، والإدارة القريبة، والمقاولة المنتجة، والشباب الواثق في المستقبل.
والوفاء للعرش والوطن لا يقوم على المجاملة أو المبالغة، وإنما على العمل الجاد، وقول الحقيقة بمسؤولية، وحماية المال العام، وتثمين الكفاءات، واحترام الدستور والقانون، والدفاع عن الوحدة الترابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبمناسبة عيد العرش المجيد، فإن الاعتزاز بما حققته المملكة ينبغي أن يقترن بتعبئة جماعية من أجل بناء مغرب أكثر عدلًا وتنافسية واستدامة؛ مغرب يجعل الإنسان في قلب التنمية، ويستثمر في المعرفة والابتكار، ويحافظ على هويته وثوابته، ويدافع عن مصالحه العليا بحكمة وثبات.
حفظ الله صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وأدام على المملكة المغربية نعمة الأمن والاستقرار والتقدم، وأقر عين جلالته بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وشد أزره بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وحفظ سائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة.






