
صدر مؤخرًا للدكتور الحسن بوزياني كتاب جديد باللغة الفرنسية بعنوان : La famille : terrain de rivalités ou refuge de fraternité في مقدمة كتابه وضع الدكتور بوزياني صورة عائلية لما تتميز به هده الاخيرة من ملاذ للأخوة، عبارة عن لوحة : في قلب هذه اللوحة الخالدة، تقف العائلة كشجرةٍ ذات جذورٍ عميقةٍ وفروعٍ متعددة، تظلّل بأوراقها ذاكرة الأجيال ووعد المستقبل.
يقول الكاتب في مؤلفه، “الجدّان، حارسا الماضي، يجسّدان الحكمة والاستمرارية. وجوههما التي خطّت عليها السنون آثارها تروي قصص الصبر والتجارب والتضحيات، والصلوات التي همسا بها لأجل أحبتهم. إنهما الينبوع والرابط الحيّ بين تقاليد الأمس وقيم اليوم. من خلال رواياتهما وصمتهما، ينقلان ما تعجز الكلمات أحيانًا عن قوله: قوّة الحب الهادئ وغير المشروط، أما الآباء، فهم يقفون في منتصف الطريق بين الإرث والبناء. يحملون مسؤولية الوصل والتربية والحماية. أفعالهم، وإن بدت أحيانًا غير مكتملة، تعبّر بإخلاص عن سعيهم الدائم لتحقيق التوازن بين الصرامة والحنان، بين الحلم والواجب. بين أيديهم يُنسج خيط الاستمرارية، ذلك الرابط الخفي الذي يجمع الأجيال دون أن يقيدها، وأما الأبناء، فهم نور الحياة ورجاء الغد. عيونهم تتلألأ فضولًا وبراءةً وأملًا. إنهم ورثة الماضي وصُنّاع المستقبل، ومن خلالهم تتجدد العائلة وتتعرف على ذاتها من جديد. في ضحكاتهم يتردّد صدى الأجداد، وفي ألعابهم تتجلى وعود عالمٍ أفضل.”
وهكذا تتكوّن صورة العائلة، مزيج من الاختلاف والمودة، من الوفاء والتجدد. ثلاث أجيالٍ موحّدة بالدم والتاريخ والقلب، موحّدة قبل كل شيء بتلك القوة الصامتة التي لا يستطيع أي خلاف أن يمحوها تمامًا: الأخوّة
المؤلف يتكون من 252 صفحة، يستعرض فيه الباحث أهمية العائلة التي هي أول حضن يعرفه الإنسان، وأول مدرسة يتعلّم فيها كيف يُحبّ، ويعطي، ويشارك، بل وكيف يختلف أيضاً. إنها المرآة التي يكتشف من خلالها نفسه والآخرين، وفيها تتكوّن ملامح شخصيته وتُرسم خطوط حياته الأولى.
لكن خلف صورة الدفء والحنان التي نرسمها للأسرة، يقول الكاتب، تختبئ أحياناً مشاعر خفيّة من الغيرة أو التنافس أو التوتر، تجعل الكاتب يتساءل بصدق: هل تظل العائلة دائماً ذلك المرفأ الآمن الذي نحتمي به؟ أم قد تتحوّل أحياناً إلى ساحة يتنافس فيها الأقربون باسم الحب والمكانة؟
هذا الكتاب وُلد من قلب هذه المفارقة، يقول الكاتب، مضيفا “فالعائلة ليست فقط رابطة دمّ، بل هي أيضاً ميدان تتقاطع فيه العواطف والمصالح، وتتناوب عليه لحظات الصفاء وأوقات الجفاء. في كل بيت قصص غير معلنة، فرحٌ يُخفي غصّة، وغيرةٌ تبتسم في وجه المحبة، وصراعٌ صامت لا يراه أحد.
ويضيف المؤلف، “ولأننا نميل في مجتمعاتنا إلى إخفاء هذه الحقائق وراء ستار “الأسرة المثالية”، فإننا نتهرّب من مواجهة ما يؤلمنا. الحديث عن الغيرة بين الإخوة أو التنافس بين الأقارب قد يُعدّ أمراً محرّماً أو “عيباً”، خوفاً من نظرة الآخرين أو حفاظاً على الصورة الجميلة للعائلة. لكن تجاهل المشكلة لا يُلغيها، بل يجعلها تنمو في الصمت حتى تُرهق القلوب وتضعف الروابط.”
من خلال هذا المؤلَّف، حاول الدكتور الحسن بوزياني، أن يلقي نظرة صادقة على واقع العائلة كما هو: بمحبّتها وتناقضاتها، بأخطائها وفضائلها، بألمها وفرحها. ليس الهدف أن نحاكم أحداً، بل أن نفهم كيف يمكن أن نحافظ على توازن هذه الخلية الصغيرة التي هي أساس المجتمع كلّه.”
ومن خلال هذا المؤلَّف قام الدكتور بوزياني بتحليل العائلة باعتبارها مؤسسة أساسية في المجتمع، تمثّل في آنٍ واحد فضاءً للتنافس والتضامن والمصالحة، عبر مقاربةٍ مفاهيمية وتجريبية، سعت إلى استكشاف الديناميات الداخلية التي تخترق العلاقات العائلية، لاسيما ما يتعلق بالأخوّة، والغيرة، والتكافل، والسعي إلى الانسجام داخل سياق اجتماعي يشهد تحوّلات عميقة.
من خلال هذا الكتاب، يواصل الدكتور بوزياني إثراء المكتبة العربية والفرنسية بإسهامات علمية قيّمة، ليظل مرجعًا أساسيًا للباحثين والمختصين في مجال علم الاجتماع .
الدكتور الحسن بوزياني، ابتدأ مساره المهني بأقل من مساعد ممرض بالوحدة الصحية ببوذنيب بإقليم الراشدية ، الى اجتيازه مجموعة من العقبات وولوجه لمعاهد مختلفة، أوصلته الى التخرج من أول دفعة في علم النفس العصبي بالمعهد العالي للتكوين في المحال الصحي بالمغرب وشغل مراكز متعددة للمسؤولية داخل الإدارة المركزية لوزارة الصحة بالمغرب، إلى جانب حصوله على شواهد عليا في القانون العام وتدبير الموارد البشرية ودكتوراه دولة في الدراسات الاستراتيجية.