مولاي الحسن الصوصي يكتب.. الصحافة الجهوية… من ضرورات التوازن الوطني

إن بناء الدولة الحديثة لا يقوم فقط على قوة مؤسساتها، بل على عدالة تمثيلها لمواطنيها، وعلى قدرة منظومتها الإعلامية على التعبير عن الوطن في شموليته، بكل جهاته ومجالاته وتنوعه المجتمعي. ومن هذا المنطلق، تظل الصحافة الجهوية إحدى الركائز الأساسية في تحقيق التوازن الوطني وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات.
لقد اختار المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، نهج الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي لا رجعة فيه، يقوم على تقريب القرار من المواطن، وتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز المشاركة الديمقراطية. ولا يمكن لهذا الورش الوطني الكبير أن يكتمل دون إعلام جهوي قوي، مهني، ومسؤول، يواكب التحولات وينقل نبض الجهات بصدق والتزام.
فالصحافة الجهوية ليست مجرد امتداد ترابي للإعلام الوطني، بل هي فضاء للإنصات، وآلية للتنبيه المبكر، وأداة لتكريس الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة في بعدها المجالي، غير أن التحولات القانونية والتنظيمية التي يعرفها قطاع الصحافة تفرض اليوم وقفة تأمل مسؤولة، من أجل ضمان انسجام الإصلاحات مع روح الدستور، ومع التوجهات الكبرى للدولة، وفي مقدمتها مبدأ الإنصاف الترابي وتكافؤ الفرص.
إن أي إصلاح لا يستحضر خصوصيات الإعلام الجهوي، ولا يراعي واقعه الاقتصادي والبشري، قد يؤدي ـ دون قصد ـ إلى إضعاف إحدى أدوات الوساطة الأساسية بين الدولة والمجتمع.
وإذا كانت الدولة تراهن على إعلام مهني ومسؤول، فإن هذا الرهان يقتضي تمكين الصحافي الجهوي من شروط العمل الكريم، ومن الاعتراف المؤسساتي، ومن وضوح المساطر، حتى يؤدي رسالته في إطار من الثقة والالتزام بالقانون.
إن تعزيز الصحافة الجهوية لا يدخل في منطق الامتياز، بل في صلب المصلحة الوطنية، باعتبارها شريكا في ترسيخ الاستقرار، ونشر المعلومة الرصينة، ومواجهة الإشاعة، وتحصين الرأي العام الجهوي.
و تبرز اليوم الحاجة إلى مقاربة إصلاحية شمولية، تجعل من الإعلام الجهوي جزءا من الرؤية الوطنية الكبرى، لا هامشا لها، وتُدرجه ضمن السياسات العمومية المرتبطة بالتنمية والديمقراطية الترابية.
فالصحافة الجهوية، حين تُنصف، تُقوّي الوطن، وحين تُهمّش، يختل التوازن، ومن منطلق هذا الوعي، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء إعلام وطني متعدد الجهات، موحد القيم، يخدم مغرب المؤسسات، ومغرب العدالة المجالية، ومغرب المستقبل.






