عمود الجهة8..”شرجم” : الحلقة الثالثة : من اتفاق الرباط إلى معاهدة إفران .. تاكتيكات خادعة و استراتيجيات فاضحة

الصحراء الشرقية : التاريخ و الجغرافيا والسياسة .

لا يمكن الاحاطة بالخلاف الحدودي بين المغرب و الجزائر دون الاطلاع على بنود اتفاق الرباط الذي وقعته مع الحكومة المغربية، الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس، و لن تتضح الرؤية إلا بعد الكشف عن موقف بنبلة من هذا الاتفاق .

لما أحرزت الجزائر على استقلالها في سنة 1962 وجدت نفسها مطوقة باتفاق الرباط، الذي أبرم في 6 يوليوز 1961، و جاء فيه :

– ” تؤكد حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب مساندتها غير المشروطة للشعب الجزائري في كفاحه من أجل الاستقلال و وحدته الوطنية و تعلن عن دعمها بدون تحفظ للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في مفاوضاتها مع فرنسا على أساس احترام وحدة التراب الجزائري، و ستعارض حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب بكل الوسائل كل المحاولات الرامية الى تقسيم أو تفويت التراب الجزائري ”

– ” تعترف الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من جانبها بان المشكل الترابي الناشئ عن تخطيط الحدود المفروض تعسفا من قبل فرنسا فيما بين القطرين سيوجد حل له في المفاوضات بين حكومة المملكة المغربية و حكومة الجزائر المستقلة ” .

– ” و لهذا الغرض، تقرر الحكومتان انشاء لجنة جزائرية مغربية ستجتمع في أقرب أجل لبدء دراسة هذا المشكل و حله ضمن روح الإخاء و الوحدة المغربية ” .

– و تبعا لذلك، فإن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تؤكد أن الاتفاقيات التي يمكن أن تنتج عن المفاوضات الفرنسية الجزائرية لا يمكن أن تنطبق على المغرب فيما يخص الحدود بين الترابين الجزائري و المغربي”. ( 1 )

و بعد استقلال الجزائر، زار الملك الحسن الثاني رحمه الله الجزائر في مارس 1963 و ذكر الرئيس الجزائري بتعهدات رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة في اتفاق الرباط، إلا أن بن بلة طالب بتأجيل النقاش في هذا الموضوع إلى شهر سبتمبر، حيث سيكون للجزائر نطاق دستوري، و سيمر سبتمبر و لا شيء من ذلك، و في 8 أكتوبر 1963 ستهاجم قوات جزائرية مدججة بالسلاح، حرس مراكز الحدود بتنجوب و حاسي بيضا و إيش و تقتل عشرة من رجال القوات المساعدة، و هي عناصر لم تكن أنذاك تتوفر سوى على أسلحة رمزية .

و في خضم هذا التصعيد سيصب بن بلة الزيت على النار لما صرح ببشار في 13 أكتوبر 1963 زاعما ” أن حدود الجزائر هي الحدود التي تركها الاستعمار ” .

و تزامن هذا العدوان على التراب المغربي مع ذلك الرد الجزائري على اتفاق الرباط، فالمسؤولون الجزائريون سيدعون أنه :

– لا يكتسي قيمة قانونية الزامية مادام الأمر لا يتعلق سوى بوثيقة دبلوماسية و لا اتفاق دولي .

– إنه سوى بلاغ يعكس اقتراحات جانبين لا يتوفر أحدهما على كل الصلاحيات التي تخول له مراجعة حدود البلاد .

– المسؤولون الموقعون على الاتفاق لم يبقوا بالسلطة .

– حكومة بن بلة أعلنت مساندتها للحدود الموروثة عن الاستعمار .

– كان الوفد الجزائري المفاوض لفرنسا قد طالب بوحدة التراب الجزائري. ( 2 )

و هذا الرد الجزائري على اتفاق وقعه رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة مع المغرب، يطرح تساؤلات عدة حول اتفاقيات مماثلة كاتفاقية إيفيان التي وقعها نائب الرئيس، كريم بلقاسم في الحكومة الجزائرية المؤقتة مع فرنسا، فالموقعون لم يبقوا بالسلطة كذلك، و لم تتوفر لأحدهما الصلاحيات التي يمنحها الشعب الجزائري، ففي كل اتفاقيات حكومته المؤقتة لم ينتخب ممثليه بعد، فكيف يعتبر اتفاقية ايفيان اتفاقية دولية و اتفاق الرباط مجرد بلاغ !

بتاريخ 02 فبراير 1964 سيوقع اتفاق على وقف النار بمالي، بعد تدخل رؤساء عرب و أفارقة منهم الحبيب بورقيبة و الامبراطور هيلا سيلاسي و موديبو كيتا، و يتردد أن الجنرال دوكول مارس ضغطا كبيرا على المغرب، فانسحب الجيش المغربي الذي تمكن في ظرف وجيز من صد الهجوم الجزائري، و التوغل في عمق الصحراء و كان على أبواب تندوف رغم مساعدة عدة دول للجزائر منها كوبا و مصر التي بعثت بما يزيد عن 1000 جندي، و العديد من الضباط منهم حسني مبارك الذي سيعتقل بعين الشواطر، و يسلم لجمال عبد الناصر في زيارة ملكية إلى مصر .

و بتاريخ 08 ماي 1966 سيحتج المغرب على قرار هواري بومدين القاضي بتأميم المناجم الواقعة بمنطقة بتندوف المتنازع حولها، و سيطالب باجتماع اللجنة الافريقية الخاصة، و يبدو أن التاريخ في الخلافات المغربية الجزائرية يصر على أن يعيد نفسه، ففي هذه الحقبة التي يرأس فيها تبون البلاد عاد الحديث عن الاستغلال الأحادي لمناجم الحديد بغارة جبيلات بتندوف، رغم وجود اتفاقية ملحقة بمعاهدة افران تنص على الاستغلال المغربي الجزائري المشترك .

وبعد سنتين من الحرب الباردة و الحملات الاعلامية، سيشرع في سنة 1969 في التفاوض في شأن معاهدة الحدود بين البلدين .

و في سنة 1972 سيوقع البلدان على اتفاقية الأخوة و حسن الجوار مع الجزائر، و ستنشر الجزائر الاتفاقية في جريدتها الرسمية في سنة 1973، في حين لم تنشر في الجريدة الرسمية المغربية سوى في سنة 1992 .

و في 28 ماي 1992 سيصادق البرلمان المغربي على الاتفاقية في عهد الرئيس بوضياف، ليتضح أن ما يدعيه البعض من أن معاكسة الجزائر لاسترجاع المغرب لصحرائه نابعة من الرغبة في شغله و إلهائه عن المطالبة بصحرائه الشرقية، ليست هي السبب المباشر لسياسة العداء الجزائرية، بل الداعي هو اضعاف المملكة، و ازاحة كل من يسير في الاتجاه المعاكس للاستراتيجية الجزائرية، سواء كان مغربيا أو جزائريا، و الدليل أن الرئيس الجزائري الوحيد الذي كانت قناعته راسخة بمغربية الصحراء الغربية، والذي لم يقبل برئاسة الدولة الجزائرية إلا بعد موافقة العسكر على هذا الشرط، فقوبل منه شرطه، لكن و في 29 يونيو 1992 سيغتال بوضياف الذي ذهب ضحية ايمانه بالتقارب مع المغرب، و كذا لاستغلال مكانته التاريخية و رصيده السياسي النظيف، لانتزاع اقرارات من الحكومة المغربية، و في طليعتها تبادل وثائق التصديق على اتفاقية افران بالأمم المتحدة، و نشرها بالجريدة الرسمية عقب موافقة البرلمان المغربي عليها .

و المناسبة شرط ألا توجد علاقة بين ما تم، و اغتيال بوضياف ؟ ألم يستغل الرجل لانتزاع مكاسب من المغرب، ما كانت الجزائر لتحلم بها، و بعدها تمت تصفيته ؟ ألا يمكن أن نتحدث على أن ضحايا الحدود تجاوز السكان العاديين الذين شتتوا و صودرت ممتلكاتهم، إلى رئيس دولة أغتيل بسبب الإرث الاستعماري الذي خلفته فرنسا وراءها و انسحبت غير مكترثة ؟ ألا يجب أن تقحم فرنسا في قضايا الحدود و تبعاتها العامة ؟ ألم يحن الوقت لاستصدار قوانين أممية توجب على فرنسا حل القضايا الانسانية التي خلفتها وراءها في مناطق الحدود ؟

الهوامش :

( 1 ) : البريني : هكذا تعرض المغرب ل ” الخيانة الأولى ” على يد حكام الجزائر . هسبريس الجمعة 10 فبراير 2023 .

( 2 ) : طاهر زبيري ” نصف قرن من الكفاح ” مذكرات قائد أركان جزائري، الشروق 2011 ص 1 .

 

 

 

 

 

Exit mobile version