ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: عندما يتحول الانتصار في التحكيم إلى هزيمة قانونية: درس عالمي من نزاع «إنيرجي سيتي قطر» ضد «هب ستريت» الأسترالية

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في عالم التحكيم التجاري الدولي، يعتقد الكثيرون أن الحصول على حكم تحكيمي نهائي يمثل نهاية النزاع وبداية استرداد الحقوق. غير أن الواقع العملي يكشف أحياناً حقيقة مختلفة تماماً: فقد تربح القضية وتخسر التنفيذ، وعندها يصبح الحكم مجرد وثيقة قانونية بلا أثر اقتصادي أو تجاري.
هذا ما جسدته إحدى القضايا الدولية البارزة التي جمعت بين شركة «إنيرجي سيتي قطر» وشركة «هب ستريت» الأسترالية، حيث حصل الطرف القطري على حكم تحكيمي يقضي بأداء ما يزيد عن مليون دولار أمريكي، لكن المحاكم الأسترالية رفضت في النهاية تنفيذ ذلك الحكم، ليتحول انتصار التحكيم إلى خسارة عملية كاملة.
بدأ النزاع على خلفية عقد توريد وتركيب معدات إنارة أبرم سنة 2010 بين الطرفين، قبل أن تدفع الشركة القطرية دفعة مقدمة ثم تتراجع عن المشروع وتطالب باسترداد المبالغ المدفوعة. وبعد تعثر الحلول الودية، تم اللجوء إلى التحكيم في الدوحة، وصدر حكم لصالح الشركة القطرية يقضي باسترداد الدفعة المقدمة والتعويض عن الأضرار وتحميل الطرف الأسترالي رسوم وأتعاب التحكيم، بإجمالي يفوق 1,045,322 دولاراً أمريكياً.
لكن المفاجأة لم تكن في موضوع النزاع أو في قيمة المبلغ المحكوم به، بل في الطريقة التي تم بها تشكيل هيئة التحكيم. فقد نص العقد بوضوح على إجراءات محددة لتعيين المحكمين ومنح الطرف الآخر أجلاً معيناً قبل اللجوء إلى القضاء لتشكيل الهيئة. غير أن الشركة القطرية لجأت مبكراً إلى المحكمة المختصة لتعيين هيئة التحكيم قبل استنفاد الإجراءات التعاقدية المتفق عليها بين الطرفين.
قد يبدو هذا الأمر شكلياً للبعض، لكنه في فلسفة التحكيم الدولي يمثل جوهر العملية التحكيمية نفسها. فالتحكيم يقوم أساساً على مبدأ سلطان الإرادة، أي أن الأطراف هي التي تحدد قواعد اللعبة منذ البداية. وعندما يتم تجاوز تلك القواعد، فإن شرعية الهيئة التحكيمية نفسها تصبح محل شك، مهما كانت صحة المطالبات الموضوعية أو قوة الأدلة المقدمة.
المحكمة الفيدرالية الأسترالية لم تناقش أصل الدين ولا قيمة التعويضات، بل ركزت على نقطة أكثر عمقاً: هل تم تشكيل هيئة التحكيم وفقاً لما اتفق عليه الطرفان؟ وعندما تبين لها وجود مخالفة جوهرية في هذا الجانب، اعتبرت أن العيب يمس أساس الولاية القانونية للهيئة التحكيمية، وبالتالي رفضت تنفيذ الحكم رغم صدوره بصورة نهائية في دولة المقر.
الأكثر إثارة للاهتمام أن المحكمة ميزت بين نوعين من المخالفات. فمن جهة، اعتبرت أن إصدار الحكم باللغة العربية رغم وجود شرط تعاقدي يجعل الإنجليزية لغة التحكيم لا يشكل سبباً كافياً لرفض التنفيذ، لعدم ثبوت ضرر فعلي للطرف الأسترالي. ومن جهة أخرى، رأت أن الخلل في تشكيل الهيئة التحكيمية ليس مجرد مخالفة شكلية، بل عيب هيكلي يمس نزاهة العملية التحكيمية برمتها، وهو ما لا يمكن التغاضي عنه أو تصحيحه لاحقاً.
تكمن أهمية هذه القضية في أنها تعيد التذكير بقاعدة أساسية كثيراً ما يتم تجاهلها في الممارسة العملية: التحكيم ليس مجرد وسيلة سريعة للحصول على حكم، بل هو منظومة إجرائية دقيقة يجب احترامها من البداية إلى النهاية. فالسرعة لا يمكن أن تكون مبرراً لتجاوز الضمانات التعاقدية، والرغبة في اختصار المساطر قد تؤدي في النهاية إلى فقدان أهم ميزة في التحكيم الدولي، وهي قابلية التنفيذ عبر الحدود.
كما تؤكد القضية أن اتفاقية نيويورك لسنة 1958، التي تعد حجر الزاوية في تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، لا تحمي الأحكام التي تصدر في ظل إخلالات جوهرية تمس تكوين الهيئة أو سلامة الإجراءات الأساسية. فالقوة الحقيقية للحكم التحكيمي لا تكمن في صدوره، بل في قدرته على الصمود أمام رقابة محاكم التنفيذ في الدول المختلفة.
ومن منظور إدارة العقود الدولية ومطالبات مشاريع البنية التحتية وعقود FIDIC، تمثل هذه القضية درساً بالغ الأهمية للمستشارين القانونيين ومديري العقود والمحكمين والخبراء. فكل إخطار، وكل أجل تعاقدي، وكل خطوة إجرائية قد تبدو بسيطة أثناء سير النزاع، لكنها قد تصبح لاحقاً العامل الحاسم الذي يقرر مصير ملايين الدولارات.
إن الرسالة التي تقدمها هذه السابقة القضائية واضحة وصريحة: في التحكيم الدولي لا يكفي أن تكون محقاً في الموضوع، بل يجب أن تكون سليماً في الإجراءات. فالحكم غير القابل للتنفيذ لا يختلف عملياً عن حكم لم يصدر أصلاً، وأخطر ما يمكن أن يواجهه المتقاضي ليس خسارة النزاع، بل خسارة ثمرة الانتصار بعد سنوات من التقاضي والتحكيم.





