عمود الجهة8.. “شرجم” الحلقة السادسة : الجزائر و ثنائية الأرض و الانسان في الصحراء الشرقية .

الانسان :

لما كانت عينا الاستعمار مركزة على أرض الصحراء الشرقية عموما و على بشار خصوصا، بدأ بالانسان، فاتخذ اجراءات لم يلجأ لمثلها في كل مساره منذ إن احتل الجزائر و المغرب، و إلى أن غادرهما .

سعى الاستعمار، قبل ذلك مرارا لمعاقبة ساكنة بشار من ذوي منيع و أولاد جرير، لكنه خسر معها جل معاركه، فلم يكن يتصور قط أنه سيجر إلى منطقة بشار في سنة 1870 جيشا مدججا بالسلاح قوامه 6000 جندي، ليجد أمامه ذوي منيع قد جيشوا له 8000 محارب، فألحقوا به هزيمة نكراء و قتلوا جنراله كلافري، فنعتهم في قصاصة أرشيفية بقطاع الطرق، و بكل الحمولات القدحية التي تتضمنها عبارة : Or ces Doui Menia sont des gens de sac et de corde ، و هي قد تتضمن معنى المجرم و قاطع الطريق و اللص و قد تحيل على عقوبة الاعدام التي كانت تطبق في بعض سجون أروبا القديمة، لما كان المساجين يوضعون في أكياس و تربط بحبال، و يلقى بهم في البحر … و قد تعكس العبارات المماثلة الواردة في الأرشيف الكولونيالي، الرغبة في الانتقام من ذوي منيع بهذه الطريقة التي استحضرتها المخيلة الاستعمارية في حالات الهزائم المرة .

بعد الاخفاقات المتكررة اهتدت فرنسا إلى فكرتها الجهنمية التي لم تطبق في كل تاريخها الاستعماري سوى على سكان بشار، فنصت في معاهدات باريس في سنة 1901 على قرار تقسيم السكان بين الجزائر الفرنسية و المغرب، فنجحت الخطة و وزعت الأسر بين البلدين، و بعد الاستعمار ستتركهم فرنسا مشتتين، ليصير هذا الشتات كذلك، ارثا استعماريا ورثته الجزائر كالحدود، و أصرت على الحفاظ عليه .

طرح الشتات بعد الاستقلال أسئلته الحارقة على النظام الجزائري، فإذا كانت الأرض جزائرية فكيف يستقيم أن يكون جزء من أصحابها جزائريين و الجزء الآخر مغاربة ؟ و كيف يعقل أن تستحوذ الجزائر على الأرض و لم تطالب قط بارجاع المطرودين منها ؟ و لماذا لم تثر الجزائر مع فرنسا في فترة المفاوضات وضعية هؤلاء البشاريين ؟ و لماذا لم يفتح نقاش بين فرنسا و المغرب و الجزائر في هذا الموضوع، مادامت هي الأطراف الثلاثة المسؤولة عنه ؟ و كيف تسكت على تركة انسانية ثقيلة ؟ و لماذا تثار قضايا أقل شأنا في الاعلام و الدبلوماسية، كقضية المطرودين من الجزائر سنة 1975 و ممتلكات الجزائريين بالمغرب، و لم تثر بين البلدين أبدا قضية الأسر المشتتة بينهما ؟ لماذا هي موضوعة في اطار المسكوت عنه ؟ هل أوصت فرنسا الجزائر بالاستمرار في معاقبة ذوي منيع و أولاد جرير ؟ فلما لم توفق في أخذ حصتها من الانتقام كاملة، أوكلت اتمام المهمة للجزائر، فنفذتها بنجاح باهر، ففرضت التأشيرة، و أغلقت الحدود البرية، ثم قطعت العلاقات و سدت الأجواء، و ما زالت لحد الساعة الأسر متباعدة ممنوعة من احياء الرحم بذويها، فمن بين هذه الأسر من لم ير أباه أو أمه أو أخاه، سوى في ثلاث مرات على امتداد العمر كله، و منهم من مات وفي حلقة غصة، و ظلت عينا البعض و هو مسجي على نعشه، مفتوحة لعلها ترى حبيبا ظل الشوق إليه يؤرق جسده المتهالك، و يقتات منه رويدا رويدا إلى أن أنهاه و أفناه، فماتت كل الحواس سوى العيون، فسكان الصحراء الشرقية المشتتون بين المغرب و الجزائر يدفنون و عيونهم مفتوحة، براقة تنظر في اتجاه الشرق إن كانت في الغرب، و في اتجاه الغرب إن كانت في الشرق .

ظل شتات الأسر الموزعة بين المغرب و الجزائر يتجدد و يشبب، فبعد كل فتح للحدود يتزاوج شباب هذه الأسر، فتنتقل شابات من هذه الجهة و تلك، و بعد غلق الحدود تتجدد المعاناة و تحرم أجيال جديدة في هذه الأسر من إحياء الرحم بذويها، لتواصل عجلة المعاناة و الظلم والانتقام دورانها بلا توقف .

 

فرنسا وضعت ذوي منيع و أولاد جرير، فعلا، في أكياس و شدت الرباط، و شتتتهم، ثم غادرت، و خلفت وراءها تركتها و فعلتها الشنيعة بلا استشارة و لا استفتاء و لا حق في تقرير المصير .

غدا ستفك عقد الحبال، و ستتخلص الأجساد من أكياسها، و سيستفيق المنومون، و عندئد ستهتز الأرض من تحت الأقدام، و إن غدا لناظره قريب .

Exit mobile version