عمود الجهة8..”شرجم” : الأرشيف الكولونيالي : هل فيه الحلول للخلاف المغربي الجزائري حول الحدود

يكمن الخلاف الرئيسي بين المغرب و الجزائر في الحدود الموروثة عن الاستعمار، خلاف لن يعالجه لا مؤتمر افريقي و لا اتفاقية ثنائية، فبعد هذا و تلك بقي الخلاف يستخلف نفسه في خط تصاعدي لا يعرف الفتور و لم توقفه مقررات و لا بنود  .

للاختلاف المغربي الجزائري حول الأرض جذوره الضاربة في الأعماق، فهو لم يكن وليد الاستقلال،  بل نشأ بسبب الاستعمار، و  صار كلما تقدم الزمان و سعت الأطراف المعنية به لضبطه و الاتفاق في شأنه، يزداد تعقيدا و تتعذر فيه الحلول، و تتحتم العودة للمربع الأول، و يصبح الأرشيف الكولونيالي عندئذ مرجعا و ملاذا .

يطالب الجميع برفع السرية عن كل الأرشيف، و الحال أن الجزء اليسير الذي عمم منه،  قدم البرهان و الدليل على أن مخرجات مؤتمر منظمة الوحدة الافريقية، و بنود اتفاقية افران التي أذعنت و نفذت و خطت خط الحدود، تماما كما ورثت عن الاستعمار، كانت على طرفي نقيض مع المعطيات المخزنة في هذا الأرشيف .

فالحدود موروثة و الأرشيف موروث،  و الموروثان متناقضان، فلما نطبق موروثا نطعن في الصميم موروثا آخر،  كله وثائق و مستندات و تاريخ و حقائق، فجاء ما رفعت فرنسا عنه السرية مدينا للحدود و مقدما الدلائل على أنها كانت ” وهمية ” صالحة للضبط الأمني في زمن الاحتلال، و لما طبقت في عهد الاستقلال صارت خطوطا للفصل التعسفي بين الأسر و البشر و الأرض و الحجر  .

و تأسيسا على ما سبق اختلفت المواقف بين المغرب و الجزائر في أمر الأرشيف و اختلفت الرؤى  .

– موقف الجزائر من الأرشيف  : تطالب به الدولة الجزائرية عبر القنوات الدبلوماسية و النوايا غير واضحة و الأهداف مغلفة، و تفضل أن تستعمل مصطلح ” الذاكرة ” على مصطلح الأرشيف، حتى توهم الناس أنه جزء من الكل،  على الرغم من أنه هو الأهم، و تتوجس منه كثيرا، فما نشر منه لحد الساعة، و هو ليس سوى قطرة من بحر، يتعارض مع الحدود الموروثة عن الاستعمار و يتناقض مع احداثيات معاهدة إفران، و يدين ما لحق الانسان من ظلم و تعسف، فالمصوغ لتشتيت الأسر في عهد الاستعمار،  كان الهدف منه اضعاف ساكنة بشار و الانتقام منها، أما في عهد الاستقلال فكان الموروث المزعج و الذي يذكر بالجريمة الفرنسية الشنعاء، و الكلام في الموضوع من شأنه أن يسيء للمباديء و القيم و يشكك في النوايا، فتوقيع الدول على الميثاق العالمي لحقوق الانسان يتنافى مع الحفاظ على الحدود الموروثة التي شتت الأسر و صادرت مختلف الحقوق، فالأرشيف بحقائقه يدين الواقع و السياسات القطرية الضيقة، و قد لا يستبعد أن يكون مطلبه تحركه الرغبة في طمسه و القضاء عليه .

تلجأ الجزائر إلى تحميل الضحايا المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع عقب الاستقلال و الاقرار الافريقي بمبدأ  الحدود الموروثة عن الاستعمار، فهم المسؤولون و هم من يجب أن يتحملوا التبعات، و بالتالي فيجب التنكر التام لوجود أنصاف لهذه الأسر خارج الحدود الموروثة، فالمغاربة منهم هم مغاربة بلا جذور،  و الجزائريون هم جزائريون بلا أقارب في مكان ما خلف الحدود، لذلك  فالإعلام الجزائري يتحدث عن علاقة المصاهرة بين أسر جزائرية و أخرى مغربية، لكنه لا يتحدث عن قرابة عائلية و عن مغاربة ينتمون لتراب صار بعد الاستقلال جزائريا، لهم فيه حقوق و على الدولة واجبات و في طليعتها تعويض المغاربة المنحدرين من الصحراء الشرقية على ممتلكاتهم .

– أما المغرب فيصر على تسلم الأرشيف الكولونيالي لما يتضمنه من معطيات و وثائق حول تاريخية الحدود، فالدستور المغربي لما يركز على ” الحدود الحقة ” و هي لفظة دالة و تحمل اشارات شتى، تتعارض في حد ذاتها مع مخرجات معاهدة إفران، فالحدود الحقة ليست هي المسطرة بعد الاستقلال و في معاهدة إفران .  لكنه هو الآخر لحد الساعة لم يطرح المعضلة الانسانية للنقاش و التداول و البحث عن حلول منصفة في الحال و المآل،  فما عمم من الأرشيف يسند الطرح المغربي؛ و مع ذلك فإنه يطالب بالمزيد و كأنه يبحث في الظرف الراهن  ليتبلور موقف عربي و قاري و أممي يقتنع بأن المسار السياسي دهس الحقائق التاريخية و الوقائع الاجتماعية، و في المقابل يلتزم الصمت عن وضعية المغاربة المنحدرين من الصحراء الشرقية،  لا يوليها على المستوى الاجتماعي و الحقوقي الاعتبار الذي تقتضيه و تتطلبه و تفرضه، فلا يسند رعاياه في المطالبة  بحقهم في ما تركوه خلفهم و التعويض عليه، و لا هو دعمهم باعتبارهم مواطنين أخرجوا  من ترابهم قسرا، و وقع مع فرنسا في سنة 1901 على المعاهدة التي وثقت هذا التجاوز الحقوقي و الانساني .

– يغيب كل من المغرب و الجزائر رؤية الساكنة المعنية، فهي مهمشة في البلدين و لم تتح الفرصة لها أبدا للتعبير عن رأيها، فساكنة الصحراء الشرقية في المغرب و الجزائر محصورة في القضايا الوطنية العامة لكل قطر، لكن غير مسموح لها ببسط قضاياها الخاصة على الرأي العام في البلدين، لها من يمثلها في البرلمان الجزائري و المغربي، لكن السلطات تنتقي من لا تشغله قضايا السكان و أوضاعهم الخاصة، فهذا الموضوع محرم، و إذا كان يبدو في الجزائر و هي المستفيدة من تراب الصحراء الشرقية، متفهما، ففي اثارته تشويش على مبدإ الحدود الموروثة، لكنه غير مفهوم في المغرب الذي ينص دستوره على الحدود الحقة و يطالب قطاع عريض من مجتمعه المدني باسترجاع الصحراء الشرقية  .

Exit mobile version