مجتمعمنبر الجهة8

حسام بوزكارن يكتب … الخلاف اليميني اليساري وهيمنة الكهلنة السياسية إشكالية التجديد السياسي والتداول الديمقراطي في زاكورة

قبل المضي في هذا الطرح، لا بد من تحديد مفهوم جوهري كثيرا ما يساء فهمه، وهو مفهوم الكهلنة السياسية، مصطلح الكهلنة ليس غريبا عن الأدبيات السياسية، فقد برز استعماله في المشهد السياسي الجزائري للإشارة إلى هيمنة النخب التقليدية واستمرارها في التحكم في المجال السياسي، مع ما يترتب عن ذلك من إعاقة لتجديد النخب وإعادة إنتاج الممارسات ذاتها، والكهلنة ليست إقصاء عمريا ولا تمييزا بيولوجيا، فقد يكون الشاب في العشرينات كهلا سياسيا حين يتبنى نفس منطق الزبونية والعصبية القبلية ويعيد إنتاج نفس الأساليب التي أنهكت المشهد السياسي المحلي بزاكورة،  الكهلنة السياسية هي أسلوب في ممارسة السلطة يقوم على الاحتكار والتوريث غير الرسمي وتجميد الفضاء العام أمام الوجوه الجديدة والأفكار الجديدة.

ولا يمكن فهم الكهلنة السياسية بمعزل عن طبيعة النظام التنافسي الذي تنتجه الانتخابات، فمنذ أن أرسى روبرت دال مفهوم البوليارشية أو ما تعرف بالديمقراطية التعددية، حدد شرطين لا تقوم الديمقراطية دونهما أولا، المشاركة الفعلية وثانيا، المنافسة الحقيقية، غير أن ما يجري في زاكورة في كل موسم انتخابي لا يعدو كونه ديمقراطية شكلية، صناديق الاقتراع تفتح لتعيد إنتاج نفس الوجوه بنفس الأدوات وحتى لو لم تنتج نفسه الوجوه تنتج نفس النمط والأساليب التقليدية، والمنافسة قائمة على الورق فقط أما على أرض الواقع فإن شبكات النفوذ القبلي والعائلي هي من تحسم النتائج قبل عملية فرز الاصوات، هذا النمط تحديدا يسميه البعض بالديمقراطية لاليبرالية أو الديمقراطية الإجرائية الفارغة أي أنها ديمقراطية تحترم الشكل فقط  أما الجوهر فهو مفرغ.

والنخب التقليدية في زاكورة أتقنت لعبة التكيف مع المتغيرات حتى دون أن تتنازل عن اليات هيمنتها الفعلية، فمثلا تنتقل من حزب إلى حزب وتعيد توزيع الولاءات بحسب موازين القوى وتوظف خطاب التنمية كشعار انتخابي لا كخطاب فعلي، والمفارقة المؤسفة أن هناك من الناخبين من يصوت لها ويعيد انتاج نفس الواقع السياسي.

فبينما تستمر هذه النخب التقليدية في تعزيز قبضتها، ينشغل الشباب بمعارك إيديولوجية تستنزف طاقتهم دون أن تقدم أي تغيير ملموس على الأرض، يتعارك اليساري مع اليميني، ويتهم كل طرف الاخر بالانحراف الفكري ويضيع في هذا الجدال العقيم الوقت السياسي الثمين الذي كان يمكن توظيفه في بناء قوة شبابية تنظيمية حقيقية، فقط للإشارة من حق كل شخص أن يتبنى الإيديولوجيا التي يقتنع بها، فهذا من صميم الحرية الفكرية والتعددية السياسية، غير أن الخلاف الإيديولوجي السلبي يتحول إلى عائق أمام التنسيق السياسي الشبابي فهذا الخلاف بحد ذاته خدمة مجانية تقدم لهذه للنخب التقليدية على طبق من فضة، هذه النخب لا تخشى اليساري المتحمس ولا اليميني الغيور تخشى فقط الشباب المتوحد خلف هدف واحد وهو استرداد الفضاء السياسي المحلي، المطلوب من الشباب وضع الخلاف الإيديولوجي في مكانه الصحيح وعدم السماح له بأن يفجر التحالفات الشبابية، الأولوية الان هي كيف نزيح من يحتكر المشهد السياسي.

يخطئ من يظن أن إقليم زاكورة يعاني من غياب المشاريع التنموية بسبب شح الإمكانيات فقط، أرى أن الأزمة الحقيقية سياسية قبل أن تكون اقتصادية فالنخب التقليدية تدير ريع التنمية بدل ان تدير التنمية، فهذه النخب المكهلنة توظف المشاريع والصفقات والمناصب لتعزيز شبكات الولاء وضمان الاستمرارية الانتخابية، إذا فالتكلم عن التنمية دون التكلم عمن يدير هذه التنمية هو استمرار في انتاج نفس النمط والاساليب والنتيجة الديمقراطية الإجرائية الفارغة. لهذا تحديدا يجب أن يكون التسلسل واضحا في وعي الشباب، الإزاحة أولا، ثم التنمية لاحقا. ليس لأن التنمية غير مهمة وإنما لأنها لن تتحقق بالشكل المطلوب طالما أن مفاتيح القرار في أيدي من جعلوا من الإقليم حديقة خلفية خاصة لنفوذهم.

الإزاحة السياسية لا تتم بالحماس وبالتغيير الراديكالي، النخب التقليدية راكمت عقودا من الخبرة في بناء التحالفات وتوظيف المؤسسات فمواجهتها بأدوات ناقصة معناها الهزيمة المتكررة التي تعزز نفس شعور اليأس لدى الشباب وترسخ قناعة أن التغيير مستحيل.

إذا فتبرز لنا مقاربة مهمة وضرورية وهي مقاربة الاستثمار الجاد في ورشات التكوين السياسي داخل الأحزاب أولا، كتكوين في إدارة الحملات الانتخابية، وفي تقنيات التواصل مع المواطن، وفي قراءة الخرائط السياسية المحلية، وثانيا في التكوين المدني أي بناء مجتمع مدني شبابي، فتقوية المجتمع المدني تمثل مدخلا أساسيا لتعزيز الممارسة الديمقراطية ورافعة لتجديد النخب السياسية وإزاحة النخب التقليدية ولا سيما من خلال تمكين الشباب من الولوج إلى الفضاء العام.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى