
لما نعود إلى بودنيب بعد غياب قصير أو طويل نجد أنها لم تتغير كثيرا، أقمت فيها من نهاية الثمانينيات و إلى مطلع الألفين، و كان المطلب الأساس في البداية، هو تزويد البلدة بالتيار الكهربائي الوطني، و في سنة 1992 تحقق ذلك بعد حملة اعلامية مستميتة دامت خمس سنوات على صفحات أشهر و أكبر جريدة يومية أنذاك، و كان السكان يربطون بين الكهرباء و اقلاع المشاريع التنموية، لكن خاب ظنهم، و تبين أن الاشكال يكمن في عامل آخر، فاتفق الجميع على تجديد النخب و تغيير لونها السياسي، فتحقق ذلك في الانتخابات الجماعية لسنة 1992، لكن التنمية لم تتحقق، فانصب الاهتمام على المطالبة بسد قدوسة، و اعتقد الجميع أنه سيكون الانطلاقة .
و قبل أن يصبح سد قدوسة حقيقة، باشر بعض نواب أراضي الجموع عملية تفويت الأراضي السلالية للخواص، على الرغم من أن أعيان بودنيب كانوا يعترضون على هذه العملية و يرفضون السماح بحفر الآبار الارتوازية، لكن الانطلاقة بدأت و وزعت آلاف الهكتارات و تحول محيط بودنيب إلى ضعيات استثمارية، و مع ذلك لم تتحقق التنمية كما كان يأمل الغيورون حقا على بودنيب
فاعتقد الكثير من الناس أن تعميم الاستثمار في الفلاحة و في نخيل المجهول على ذوي الحقوق، بالاضافة إلى بناء سد قدوسة، ستكون هي طوق نجاة بودنيب إذا توفرت نخبة قادرة على بلورة شروط للاستثمار في هذا الميدان، لاسيما مع وجود موارد هامة مستخلصة من كراء الأراضي الجماعية التي هي رهن إشارة السكان، و يمكن أن تفيد كثيرا، إذا أحسن استعمالها مع ميزانية الجماعتين، جماعة بودنيب و جماعة واد النعام، و مرة أخرى لم يسعف كل ذلك في تحويل بودنيب إلى بوابة شرقية لائقة باقليم الرشيدية .
و توقف مسلسل المطالب لما تبين أن كل المحاولات لم تيسر المبتغى، و لما تحسننت نسبيا أحوال ذوي الحقوق من الساكنة العامة، لكن لم ينعكس ذلك على الرقي العام للبلدة و لم تعكس البنى التحتية لبودنيب مستوى الموارد المالية المستثمرة .
فأين يكمن الخلل ؟ و هل تنمية بودنيب متاهة محيرة ؟ و هل لا سبيل لأن تستفيد بودنيب من كرمها الحاتمي مع المستثمرين ؟ ألا يجب أن يخرج الطرفان ( بودنيب والمستثمرون ) بصيغة رابح رابح، عوض أن يكون المستثمرون هم الطرف الوحيد المستفيد ؟
أسئلة ظلت تراودني و أنا أتابع من بعيد مجريات الأحداث في بودنيب، و انتهيت إلى فكرة أطرحها على الجميع للتداول في شأنها .
منذ أن شرع في الاستثمار في تمور المجهول، و هي ذات جودة عالية و مردودية هامة، دارت عجلة الاقتصاد و تحسنت نسبيا الاحوال العامة و تقلص معدل الفقر، و كان المستثمرون هم المستفيدون أكثر، و لا أحد من الساكنة يعرف رقما محددا لعائدات هذه التمور .
بدون أدنى شك ستكون المداخيل هائلة، لكن هل تستفيد الجماعة من ذلك ؟ بكل تأكيد سيكون الجواب بالنفي، فالمستثمرون هم المستفيدون أما بودنيب فلا حظ لها من كل هذه الموارد الضخمة، ألا ينبغي على المستثمرين أن يساهموا بقسط من مداخيلهم لتنمية بودنيب ؟
قد يقول قائل إن هذا المطلب صعب التنفيذ، لكني أقول إن من يستفيد من تربة بودنيب و ماء بودنيب و يحقق مكاسب هامة في كل سنة مصدرها بودنيب، عليه أن يساهم بقدر معين لفائدة هذه البلدة التي صارت تعرف عالميا بانتاج المجهول، إن سنتيما واحدة من كل تمرة مجهول سيغير الحال و يمكن أن تصبح بودنيب ” كويت الرشيدية ” .
تبلورت هذه الفكرة في ذهني و أنا أتابع النقاش الذي يدور بين النخب في بودنيب، و أستحضر سابقة مساهمة المقاولات الكبرى في مشاريع تنموية خاصة بالدار البيضاء، فلماذا لا يكون شيء من ذلك فيبودنيب .
إن هذا المطلب مشروع و قابل للتحقيق و التنفيذ، فالعائدات السنوية ستكون بالمليارات و ستتحول بودنيب، إن استجاب المستثمرون، إلى مدينة نموذج تتحقق فيها التنمية في زمن قياسي و بموارد هامة و مستحقة، و تعطي صورة مغايرة للرأسمال الوطني فيندمج في التنمية، و يسقي عروق نخلة بودنيب التي تجود عليه سنويا بالأطنان من تمر المجهول .
