
يستعد المشهد الثقافي والفكري العربي لاستقبال إصدار علمي جديد يحمل عنوان “غزة: سردية ما بعد التحمل البشري”، وهو مؤلف مشترك يجمع بين الباحث البحريني الدكتور محمد بوحجي، والوزير السابق ورئيس مجلس جهة درعة تافيلالت السابق الدكتور الحبيب الشوباني، في خطوة تندرج ضمن مسار الترافع المعرفي والعلمي الرامي إلى توثيق وتحليل جريمة الإبادة الجماعية المرتكبة في حق الشعب الفلسطيني، وإغناء النقاش الأكاديمي حول أبعادها الإنسانية والفكرية.
ويأتي هذا الإصدار ثمرة شراكة فكرية بين المؤلفين، تسعى إلى تقديم مقاربة معرفية تتجاوز السرد التقليدي للأحداث، عبر قراءة فلسفية وفكرية لما تعيشه غزة، باعتبارها نموذجا استثنائيا أعاد طرح أسئلة الإنسان والوجود والكرامة والصمود في مواجهة واحدة من أكثر المآسي قسوة في التاريخ المعاصر.
ومن المرتقب أن يشهد المعرض الدولي للكتاب العربي بإسطنبول، في دورته الحادية عشرة، التوقيع الأول للمؤلف، وذلك بجناح الناشر دارة نجيبويه المعرفية رقم C4، خلال فعاليات المعرض الممتدة من 15 إلى 23 غشت 2026، على أن ينطلق توزيع الكتاب بالمملكة المغربية ابتداءً من شهر شتنبر المقبل.
ويقدم الكتاب قراءة فكرية عميقة للحرب على غزة، لا باعتبارها مجرد حدث سياسي أو إنساني، بل باعتبارها لحظة تاريخية فارقة كشفت حدود النظام العالمي وأعادت مساءلة المفاهيم الكبرى المرتبطة بالعدالة والكرامة والحرية والإنسانية.
ويؤكد المؤلفان أن الكتاب يستلهم مادته الأساسية من واقع غزة، بوصفها ضحية لحرب إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة والبث المباشر، غير أنه لا يكتفي بتوثيق حجم المأساة، بل يتجاوز ذلك إلى استكشاف التحولات الفكرية التي أفرزتها التجربة الفلسطينية، حيث أصبحت غزة فضاءً لإعادة تعريف مفهومي “الصمود” و**”التحمل”** في ظل ظروف غير مسبوقة من العنف والخذلان.
ويراهن الإصدار على تقديم ما يصفه مؤلفاه بـ”الترافع المعرفي”، من خلال تحليل فلسفي يسعى إلى إبراز أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف سياسي أو إنساني يستدعي التعاطف، بل تحولت إلى مصدر لإنتاج معرفة جديدة تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الحضارة المعاصرة، ومعايير العدالة، ومستقبل الإنسان في عالم يشهد تصاعداً غير مسبوق لمظاهر العنف والإقصاء.
كما يستحضر الكتاب مفهوم “الإبادة الغزية” (Gazacide) باعتباره توصيفاً معرفيا للحرب التي تعرض لها قطاع غزة، معتبرا أن ما عاشه الفلسطينيون أسهم في إنتاج ثورة فكرية تدفع إلى إعادة التفكير في المفاهيم الإنسانية الكبرى، وتحث على بناء وعي عالمي أكثر عدلا وإنصافا وأقل قابلية لتبرير الوحشية.
وينتظر أن يشكل هذا الإصدار إضافة نوعية إلى المكتبة العربية في مجال الدراسات الفكرية والفلسفية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وأن يفتح نقاشا واسعا داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية حول الأبعاد المعرفية والأخلاقية للإبادة الجماعية، ودور الفكر في مواجهة السرديات التي تحاول تبريرها أو التقليل من آثارها.
ويؤكد المؤلفان، من خلال هذا العمل، أن غزة ليست مجرد عنوان لمأساة إنسانية، بل أصبحت رمزا لإعادة صياغة الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحرية والكرامة، ورسالة معرفية مفتوحة تدعو العالم إلى مراجعة منظومته القيمية، والانتصار للعدالة والإنسانية في مواجهة كل أشكال الإبادة والوحشية.