
صدر حديثا عن دار سليكي إخوان بمدينة طنجة كتاب “أعلام مدغرة”، من تأليف العلامة محمد الهاشمي بن الغالي الحسني المدغري (ت 1383هـ/1963م)، في تحقيق علمي أنجزه الدكتور حسن الحافظي علوي، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط والباحث المتخصص في التاريخ، ويعد هذا الإصدار إضافة علمية نوعية إلى المكتبة المغربية، لما يتضمنه من معطيات تاريخية وتراجم ووثائق تسهم في إغناء البحث في تاريخ مدغرة وتافيلالت، خاصة في أبعادهما الثقافية والعلمية.
ويأتي هذا العمل امتدادا للجهود الأكاديمية التي يبذلها الدكتور حسن الحافظي علوي في خدمة تاريخ تافيلالت وإحياء تراثها العلمي، حيث يواصل من خلاله التعريف بماضي حواضر الجنوب الشرقي للمملكة وإبراز مكانتها الحضارية، وينضاف هذا الكتاب إلى سلسلة من أعماله العلمية الرصينة، من أبرزها كتاب “سجلماسة وإقليمها في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي” الصادر عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 1418هـ/1997م، والذي يعد من أهم المراجع في تاريخ المنطقة.
ويكشف الكتاب أن العلامة محمد الهاشمي بن الغالي الحسني المدغري ألفه استجابة لطلب مؤرخ الدولة العلوية مولاي عبد الرحمان بن زيدان (ت 1946م)، حيث خصصه لتوثيق تراجم أبناء وأحفاد الحسن بن يوسف بن علي الشريف الحسني الذين استقروا بقصور مدغرة في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي عشر الهجري، بعدما قدموا إليها من قصور وادي أفلي بتافيلالت هربا من بطش أحمد بن عبد الله بن أبي محلي، الذي استولى على سجلماسة سنة 1019هـ/1611م، واضطهد الشرفاء العلويين وفرض عليهم إتاوات مجحفة.
ولا يقتصر الكتاب على توثيق أنساب هذه الأسرة، بل يقدم موسوعة مصغرة عن الحياة العلمية والثقافية والدينية بمدغرة، من خلال تراجم العلماء والفقهاء والقضاة والصلحاء، رجالًا ونساءً، مع التعريف بمكانتهم العلمية وشيوخهم وتلامذتهم وإسهاماتهم في مختلف العلوم الشرعية واللغوية، كما يسلط الضوء على المراكز العلمية التي ازدهرت بالمنطقة، والمناهج المعتمدة في التدريس، وأمهات الكتب التي كانت تدرس في علوم القراءات والفقه والحديث والتفسير واللغة والبلاغة، إلى جانب التعريف بالزوايا والدور الذي اضطلعت به في التأطير الروحي وتعبئة السكان لمواجهة الغزاة.
واعتمد الدكتور حسن الحافظي علوي في تحقيق هذا المؤلف على النسخة الأصلية التي أعدها مؤلفه لفائدة مولاي عبد الرحمان بن زيدان، والتي ظلت محفوظة بالمكتبة الزيدانية قبل انتقالها إلى الخزانة الحسنية بالرباط، حيث تحفظ تحت الرقم 111997. كما استعان في عمله بكتاب نفيس يعد من أهم المصادر المتعلقة بأشراف مدغرة، وهو “فتح القدوس الظاهر في نسب أبي محمد عبد الله بن علي بن طاهر العلوي بن المصطفى الحسني المدغري”، الذي نقل عنه المؤلف جانبًا مهمًا من مادته التاريخية.
ولم يقتصر التحقيق على إخراج النص الأصلي، بل أرفقه الدكتور حسن الحافظي علوي بدراسة علمية مستفيضة تمتد على حوالي 140 صفحة، تناول فيها التعريف بالعلامة محمد الهاشمي بن الغالي الحسني المدغري، وظروف تأليف الكتاب، والمصادر التي اعتمد عليها، كما خصص حيزا مهما للحديث عن الحركة العلمية بمدغرة وتافيلالت خلال العصرين الحديث والمعاصر، مع مناقشة أبرز القضايا التاريخية التي يتناولها الكتاب، قبل أن يقدم النص المحقق مذيلاً بمجموعة من الفهارس العلمية التي تسهل الرجوع إلى مضامينه.
وتتجلى القيمة العلمية لكتاب “أعلام مدغرة” في كونه يتجاوز مجرد تسجيل الأنساب، ليقدم صورة متكاملة عن الحياة العلمية والثقافية والدينية بمدغرة عبر عدة قرون، ويبرز الدور الريادي الذي اضطلع به أبناء وأحفاد الحسن بن يوسف بن علي الشريف الحسني في نشر العلم وتولي القضاء والإسهام في الحياة الدينية والفكرية بالمنطقة. كما يعكس وعيا مبكرا لدى مؤلفه بأهمية حفظ التراث العلمي وصيانة أخبار العلماء والأعلام من الضياع، مستفيدًا من توجيهات مؤرخ الدولة العلوية مولاي عبد الرحمان بن زيدان، صاحب التجربة الرائدة في توثيق أعلام المغرب من خلال موسوعته الشهيرة “إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس”. ويشكل هذا الإصدار مرجعًا علميًا جديدًا للباحثين والمهتمين بتاريخ تافيلالت ومدغرة، وإضافة نوعية تسهم في إعادة الاعتبار لإحدى أبرز الحواضر العلمية والثقافية بالمغرب.