منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: الفاتورة الإلكترونية في المغرب 2026: ما الذي سيتغير فعلياً للشركات مع إصلاح DGI؟ الحقيقة القانونية قبل بدء الإلزام

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

يدخل المغرب مرحلة جديدة من التحول الرقمي في المجال الجبائي، عنوانها الأبرز الفاتورة الإلكترونية، وهي إصلاح يتجاوز بكثير فكرة الاستغناء عن الورق أو إرسال الفاتورة بصيغة PDF عبر البريد الإلكتروني. فالمشروع الذي تشتغل عليه المديرية العامة للضرائب DGI يقوم على تحويل الفاتورة نفسها إلى معطى رقمي منظم وقابل للمعالجة والمراقبة إلكترونياً، بما يسمح مستقبلاً بتتبع المعاملة منذ إصدار الفاتورة إلى تسويتها وأدائها. غير أن الدقة تقتضي منذ البداية توضيح نقطة أساسية: إلى غاية 15 غشت 2026، لا ينبغي التعامل مع المواعيد والعتبات المتداولة على مواقع التواصل باعتبارها آجالاً قانونية نهائية ما لم يصدر بشأنها النص التنظيمي المحدد لها وينشر رسمياً. فالمدير العام للضرائب أكد يوم 16 أبريل 2026 أن المشروع سينطلق خلال سنة 2026، وأن مشروع المرسوم المنظم كان آنذاك معروضاً على الأمانة العامة للحكومة لتحديد شروط التنزيل والجدولة العملية.

والواقع أن الأساس القانوني لهذا التحول ليس جديداً. فالمادة 145-IX من المدونة العامة للضرائب، التي ترجع إلى إصلاح أدخله قانون المالية لسنة 2018، تلزم فئات من الخاضعين للضريبة على الشركات والضريبة على الدخل المهني والضريبة على القيمة المضافة بالتوفر على نظام معلوماتي للفوترة يستجيب للمعايير التقنية التي تحددها الإدارة. ولهذا فمن غير الدقيق القول إن قانوناً جديداً صدر في 2026 لينشئ الفاتورة الإلكترونية من الصفر؛ الجديد اليوم هو الانتقال من وجود المبدأ القانوني إلى بناء المنظومة التقنية والتحضير لتفعيلها فعلياً. كما أن وزارة الاقتصاد والمالية أدرجت سابقاً ضمن برنامجها التوقعي اقتناء نظام للفوترة الإلكترونية بميزانية تقديرية بلغت 6,48 ملايين درهم، قبل دخول المشروع مرحلة الإنجاز التقني.

وفي 16 أبريل 2026 أعلن المدير العام للضرائب يونس إدريسي القيطوني أن النظام التقني أصبح جاهزاً من حيث التطوير والاختبار والاستلام، وأن الانتقال إلى التطبيق ينتظر استكمال الإطار التنظيمي. والمشروع لا يقوم على استبدال الورقة بملف PDF، بل على فاتورة أصلية رقمية مهيكلة وفق معيار إلكتروني، وقد جرى تقديم UBL كأحد المعايير المعتمدة، مع توقيع إلكتروني يضمن أصالة الوثيقة وسلامتها وعدم تغيير محتواها. أي أن الفاتورة الإلكترونية الحقيقية في هذا النموذج ليست صورة للفاتورة، وإنما مجموعة بيانات منظمة يمكن للأنظمة المعلوماتية قراءتها والتحقق منها آلياً.

والتحول الأكثر أهمية يوجد في طريقة تداول الفاتورة. فالتوجه المعلن عنه يقوم على نموذج يعرف دولياً باسم Clearance، أي أن الفاتورة تمر عبر منظومة مركزية قبل استكمال مسارها بين المورد والزبون، بما يسمح بالتحقق الإلكتروني من البيانات والهوية والمعطيات الأساسية للعملية. ووفق التصور الذي قدمته DGI، ستكون الإدارة الضريبية في قلب هذا التدفق الرقمي، بدلاً من انتظار سنوات حتى إجراء مراقبة ضريبية لاحقة للوثائق. ومن شأن ذلك أن يغير عملياً عمل أقسام المحاسبة والمالية والمبيعات والمشتريات والخزينة، لأن تاريخ إصدار الفاتورة واستلامها وتسويتها سيصبح أكثر قابلية للتتبع والإثبات.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها أيضاً من حجم الرهان المرتبط بمحاربة الفواتير الوهمية. فقد نقلت الصحافة الاقتصادية عن المدير العام للضرائب تقديراً لحجم الظاهرة بما يتراوح بين 40 و50 مليار درهم، مع الإشارة إلى أن الإجراءات الجبائية التي اتخذت خلال السنوات الأخيرة ساهمت، بحسب المعطيات التي قدمها، في الحد بشكل كبير من هذه الممارسات. ويُنتظر أن تمنح الفاتورة الإلكترونية للإدارة قدرة أكبر على المقارنة الآلية بين ما يصرح به البائع وما يصرح به المشتري، وبالتالي تضييق المجال أمام العمليات الوهمية أو استعمال فواتير لا تقابل معاملات اقتصادية حقيقية.

ولا يأتي هذا المشروع في بيئة إدارية ما تزال تعتمد كلياً على الورق. فأرقام تقرير نشاط المديرية العامة للضرائب لسنة 2025 تكشف أن التحول الرقمي بلغ مستوى متقدماً بالفعل: فقد وصل عدد المنخرطين في الخدمات الإلكترونية إلى 2.889.312 منخرطاً مع نهاية 2025، وجرى إنجاز أكثر من 26,5 مليون عملية إلكترونية خلال السنة، فيما أصبحت 91,4% من المداخيل الجبائية تؤدى إلكترونياً. كما بلغت المداخيل الجبائية الإجمالية التي سجلتها DGI خلال 2025 نحو 295 مليار درهم. ويشير التقرير كذلك إلى تطوير بوابة للفوترة الإلكترونية تسمح بإصدار الفواتير ونقلها واستقبالها وتتبع الأحداث اللاحقة المرتبطة بها، وهو ما يبين أن المشروع أصبح جزءاً من البنية الرقمية للإدارة وليس مجرد فكرة قيد الدراسة.

أما من حيث الشركات التي ستدخل النظام أولاً، فقد أوضحت DGI أن البداية ستكون تدريجية، وأن الأولوية في المرحلة الأولى ستكون للمعاملات بين الشركات B2B، مع التدرج حسب حجم المقاولة أو النشاط أو طبيعة المعاملات. أما المعاملات مع المستهلك النهائي B2C فليست ضمن المرحلة الأولى المعلن عنها، ويمكن الانتقال إليها في مرحلة لاحقة. ولهذا يجب الحذر من الجداول المنتشرة التي تحدد مثلاً 1 يناير 2026 أو 1 يوليو 2026 أو 1 يناير 2027 كتاريخ قطعي لفئة معينة، أو تحدد أرقام معاملات ثابتة دون الاستناد إلى نص منشور؛ فالتوجيه الرسمي المؤكد هو التدرج، بينما الجدولة والعتبات الدقيقة تبقى مرتبطة بالنصوص التنظيمية النهائية.

كما أن الانتقال لن يعني بالضرورة شراء كل مقاولة لبرنامج مكلف أو تغيير نظامها المحاسبي بالكامل. فالمدير العام للضرائب أكد أن المقاربة ستأخذ بعين الاعتبار قدرات المقاولات الصغيرة جداً، وأن DGI تعتزم توفير إمكانية مبسطة لها على غرار ما فعلته في التصريحات الإلكترونية، في حين يمكن للمقاولات التي تتوفر على أنظمة ERP أو برامج متطورة ربط أنظمتها بالمنصة إلكترونياً. وهذا جانب أساسي لأن نجاح الإصلاح لن يقاس فقط بقوة الرقابة، بل بمدى قدرة مئات الآلاف من المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الانتقال دون خلق تكلفة إدارية وتقنية لا تستطيع تحملها.

ومع ذلك، فإن انتظار صدور المرسوم قبل القيام بأي شيء سيكون خطأ إدارياً بالنسبة للمقاولات. فالاستعداد يمكن أن يبدأ اليوم بتنظيف ملفات الزبناء والموردين، ومراجعة أرقام ICE والتعريف الضريبي والضريبة المهنية والسجل التجاري، وضمان تسلسل ترقيم الفواتير، والتحقق من نسب TVA، ومطابقة برنامج المبيعات مع المحاسبة، وتحديد الأشخاص المخول لهم إصدار الفواتير وإلغاؤها، ومراجعة إجراءات الأرشفة والتوقيع الإلكتروني. المطلوب حالياً ليس شراء أي برنامج يحمل عبارة «متوافق مع DGI» دون سند، وإنما بناء بيانات سليمة ونظام مراقبة داخلية قادر على التكيف فور صدور المواصفات الرسمية.

والأهم أن الفاتورة الإلكترونية ستغير مستقبلاً مفهوم الرقابة الجبائية ذاته. فبدلاً من إدارة تنتظر التصريحات ثم تبحث بعد ذلك عن الاختلالات، نتجه تدريجياً إلى نظام تحصل فيه الإدارة على معطيات المعاملة الاقتصادية بسرعة أكبر، مما قد يفتح الطريق نحو تصريحات TVA أكثر آلية، ومراقبة أفضل لآجال الأداء، والحد من ازدواجية التسجيل والأخطاء والفواتير الصورية. وفي المقابل، فإن هذا الحجم من البيانات يفرض أيضاً نقاشاً جدياً حول الأمن السيبراني، وحماية المعطيات، واستمرارية الخدمة، وحقوق المقاولة في حالة الخطأ أو تعطل النظام أو رفض الفاتورة.

إن سنة 2026 تمثل لذلك سنة انتقال حقيقية في تاريخ الإدارة الجبائية المغربية، ولكن المصداقية تقتضي التمييز بين ما أصبح مؤكداً وما يزال منتظراً. المؤكد هو وجود الأساس القانوني في المادة 145-IX، وإنجاز المنظومة التقنية، واعتماد التدرج، والانطلاق أولاً في مجال B2B، والتوجه نحو فاتورة رقمية مهيكلة ومؤمنة. أما التاريخ القانوني الدقيق لدخول كل فئة، وعتبات رقم المعاملات، والتفاصيل النهائية للمخالفات والعقوبات والمواصفات التقنية، فلا ينبغي اختراعها أو استباقها قبل صدور النصوص التنظيمية ذات الصلة.

و ليست القضية «موت الفاتورة الورقية» فقط، بل انتقال المغرب من محاسبة الوثائق إلى محاسبة البيانات. ومن يستعد لهذا التحول منذ الآن لن ينظر إلى الفاتورة الإلكترونية باعتبارها عبئاً ضريبياً جديداً، بل كفرصة لإعادة تنظيم المحاسبة، وتسريع معالجة الفواتير، وتقوية المراقبة الداخلية، وتحسين العلاقة مع الزبناء والموردين والإدارة. أما الخطر الحقيقي فليس في الرقمنة نفسها، وإنما في دخولها إلى مقاولات لم تنظف بياناتها ولم تضبط مساطرها ولم تستعد بعد لعصر ستكون فيه كل فاتورة جزءاً من منظومة رقمية مترابطة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى