ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: المحاسبون المعتمدون بالمغرب أمام مرحلة جديدة: لجنة انتقالية تعيد ترتيب الحكامة المهنية وتمهد لانتخاب مجلس وطني جديد

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
دخل تنظيم مهنة المحاسب المعتمد بالمغرب خلال سنة 2026 مرحلة مؤسساتية دقيقة، بعد تولي لجنة انتقالية مهمة تسيير المجلس الوطني للمنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين، في انتظار استكمال المسطرة الانتخابية وتجديد هياكل المنظمة. ولا يتعلق الأمر بمجرد انتقال إداري عادي، بل بمحطة يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل الحكامة المهنية، وشروط الولوج إلى المهنة، وأخلاقياتها، وتمثيليتها أمام الدولة والمقاولات والفاعلين الاقتصاديين.
وتؤكد المعطيات المنشورة من طرف المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين أن اللجنة شرعت فعليا في ممارسة مهامها ابتداء من 29 يوليوز 2026، تنفيذا لمقتضيات المادة 44 من القانون رقم 127.12 المنظم لمهنة المحاسب المعتمد والمحدث للمنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين، كما تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 53.19. وقد تم تعيين أعضاء اللجنة بموجب مقرر وزيرة الاقتصاد والمالية رقم 974.26 بتاريخ 15 ماي 2026، المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 2 يوليوز 2026.
ويكشف هذا الانتقال عن خصوصية قانونية مهمة، تتمثل في أن اللجنة تحل، بصورة مؤقتة، محل المجلس الوطني وتباشر اختصاصاته خلال المرحلة الانتقالية إلى حين انتخاب أعضائه الجدد، في أجل أقصاه ثلاثة أشهر محسوبا من تاريخ شروعها الفعلي في العمل. وخلال هذه الفترة تصبح اللجنة الجهة المخول لها قانونا تمثيل المنظمة أمام الإدارة والغير، وهو ما يرمي أساسا إلى ضمان استمرارية المؤسسة وعدم ترك فراغ في التمثيل المهني والتنظيمي.
إن تنظيم مهنة المحاسب المعتمد لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الوظيفة الاقتصادية التي يضطلع بها هذا المهني. فالمحاسب المعتمد يوجد يوميا في قلب الحياة المالية للمقاولة، ويتعامل مع المحاسبة، والتصريحات الجبائية والاجتماعية، والقوائم المالية، ومواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة، فضلا عن دوره في تكريس الشفافية والامتثال للقواعد القانونية والتنظيمية.
ولهذا جعل المشرع المغربي المهنة مؤطرة بقانون خاص، هو القانون رقم 127.12، إلى جانب مرسومه التطبيقي رقم 2.15.806، قبل إدخال تعديلات لاحقة بموجب القانون رقم 53.19 بهدف تحسين حكامة المنظمة المهنية وتيسير بعض الجوانب المرتبطة بتنظيمها وشروط الانتماء إليها. كما تدرج وزارة الاقتصاد والمالية مهنة المحاسب المعتمد ضمن المنظومة الرسمية لتنظيم المهن المحاسبية بالمملكة إلى جانب مهنة الخبير المحاسب.
وتؤكد هذه الإصلاحات أن المحاسبة لم تعد مجرد نشاط تقني مرتبط بتسجيل العمليات وترتيب الوثائق، بل أصبحت إحدى آليات الأمن المالي للمقاولة والدولة في آن واحد. فكلما ارتفعت جودة المعلومة المحاسبية وتعزز استقلال المهني واحترامه لأخلاقيات المهنة، أصبحت القرارات الاستثمارية والجبائية والتمويلية أكثر موثوقية.
ومن أبرز الملفات التي تفرض نفسها خلال المرحلة الانتقالية الحالية تجديد المجالس المهنية. وقد أعلنت المنظمة بالفعل خلال نهاية يوليوز وبداية غشت 2026 عن نشر القوائم الانتخابية الأولية للمحاسبين المعتمدين، وهو ما يشكل مقدمة لإعادة بناء الشرعية الانتخابية للمجلس الوطني والهياكل المرتبطة به.
وتكتسي سلامة اللوائح الانتخابية أهمية كبيرة، لأن أي مؤسسة مهنية لا تستمد قوتها فقط من النص القانوني، وإنما أيضا من ثقة أعضائها في شفافية انتخاب ممثليهم. ومن ثم، فإن فتح باب الملاحظات والتظلمات والطعون في اللوائح لا ينبغي اعتباره تعطيلا للعملية الانتخابية، بل ضمانة جوهرية لحماية المساواة بين المهنيين وصحة التمثيلية.
وفي هذا السياق، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط انتخاب مجلس جديد، وإنما الوصول إلى مجلس وطني قوي وذي مصداقية قادر على الدفاع عن المهنة والارتقاء بممارستها، وليس مجرد إدارة ملفات الانخراط والتسجيل.
فالمنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين تتكون قانونيا من مجلس وطني ومجالس جهوية، وتناط بها مهام تتعلق بالمحافظة على تقاليد المهنة ومبادئ النزاهة والكرامة والاستقامة، والسهر على احترام النصوص المنظمة لها، والدفاع عن المصالح المادية والمعنوية للمهنيين، فضلا عن تمثيل المهنة أمام الإدارة والهيئات الوطنية والدولية.
ومن الملفات التي يتعين أن تحظى بالأولوية كذلك تنظيم ولوج أجيال جديدة إلى مهنة المحاسب المعتمد. ويقرر الإطار القانوني شروطا تتعلق أساسا بالتكوين الجامعي في الاقتصاد أو المالية أو المحاسبة أو تدبير المقاولات، إلى جانب الشروط والتدريب والاختبارات المهنية التي يحددها القانون والنصوص التنظيمية. وتعرض المنظمة المهنية نفسها شروط الولوج إلى المهنة باعتبارها مهنة مقننة يخضع حمل لقبها لمقتضيات القانونين 127.12 و53.19.
إن أي إصلاح حقيقي للمهنة يجب، في تقديري، أن يحقق توازنا بين هدفين لا يجوز الفصل بينهما: فتح المجال أمام الكفاءات الجديدة من جهة، والحفاظ على مستوى مهني مرتفع يحمي المقاولة والاقتصاد الوطني من جهة ثانية.
ولا يقل ملف التأهيل المستمر أهمية. فالتحولات التي يعرفها المجال المحاسبي والجبائي أصبحت سريعة جدا بفعل الرقمنة، والفوترة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتشديد متطلبات الامتثال ومكافحة الغش وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
لذلك فإن محاسب الغد لن يستطيع الاكتفاء بمعرفة مسك الدفاتر أو إعداد التصريحات، بل سيكون مطالبا بالجمع بين المحاسبة والجباية والقانون وتحليل البيانات ونظم المعلومات والذكاء الاصطناعي وإدارة المخاطر.
وهنا ينبغي أن تتحول المنظمة المهنية من مؤسسة إدارية إلى منصة حقيقية للتكوين والتأهيل والتحديث المهني.
كما أن المرحلة المقبلة يجب أن تجعل من مدونة الأخلاقيات المهنية أحد أعمدة الإصلاح، لأن الثقة هي رأسمال المهن المالية. والمقاولة والإدارة والبنوك والقضاء والمستثمرون يتخذون قراراتهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بناء على وثائق ومعطيات يشارك المحاسب في إعدادها أو مراقبتها.
ومن ثم، فإن الاستقلالية والنزاهة والسر المهني وتجنب تضارب المصالح وجودة العمل لا يمكن التعامل معها باعتبارها مبادئ نظرية، بل شروطا عملية لاستقرار المعاملات الاقتصادية.
وإذا كانت المرحلة الحالية انتقالية من الناحية القانونية، فإن أهميتها تتجاوز كثيرا تدبير الانتخابات. إنها فرصة لإعادة طرح سؤال أعمق: أي نموذج لمهنة المحاسب المعتمد يحتاجه المغرب خلال السنوات المقبلة؟
نحتاج إلى مهنة منظمة وقوية ومستقلة ومسؤولة، لا تنافس فقط على سوق الخدمات المحاسبية، وإنما تساهم في تحسين مناخ الأعمال، وتأطير المقاولات الصغرى والمتوسطة، ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل، وتعزيز الامتثال الجبائي، والرفع من جودة المعلومة المالية.
كما نحتاج إلى علاقة أكثر تكاملا بين المحاسب المعتمد والخبير المحاسب والإدارة الجبائية والمؤسسات البنكية والمحاكم والمقاولات، مع تحديد واضح للاختصاصات والمسؤوليات، وإعطاء قيمة أكبر للتوقيع المهني ولجودة الأعمال المحاسبية.
فالمهن المالية ليست مجرد مهن لخدمة المقاولة، بل هي جزء من البنية التحتية للثقة الاقتصادية.
وبالتالي فإن نجاح اللجنة الانتقالية لن يقاس فقط باحترام الآجال القانونية وإجراء الانتخابات، وإنما بقدرتها على تأمين انتقال مؤسساتي هادئ وشفاف يؤسس لمرحلة جديدة من الحكامة المهنية.
أما المجلس الوطني المقبل، فسيكون أمام مسؤولية أكبر: الانتقال بالمحاسب المعتمد من صورة «ماسك الحسابات» إلى موقع المستشار المالي والجبائي ومرافق المقاولة وشريك الدولة في الشفافية الاقتصادية.
وذلك هو التحدي الحقيقي الذي يستحق أن تلتف حوله المهنة اليوم.





