
في مشهد يجمع بين روح المبادرة والعمل الجماعي والاعتزاز بالهوية المحلية، بادرت نساء وشابات دوار أصديف، التابع لجماعة إزناكن بإقليم ورزازات، إلى تنظيم حملة تطوعية لتنظيف محيط الدوار والعناية بعدد من الفضاءات التي تحتاج إلى التنقية، في مبادرة عكست مستوى لافتاً من الوعي بأهمية الحفاظ على البيئة وخدمة المجتمع المحلي.
ومنذ الساعات الأولى للصباح، انخرطت نساء الدوار في أشغال التنظيف، وسط مشاركة واسعة من الأسر، التي حرصت على الحضور والمساهمة في هذا العمل الجماعي، في صورة تجسد ثقافة التعاون والتكافل التي ما تزال حاضرة بقوة داخل عدد من القرى والمناطق الجبلية.
وشملت الحملة عددا من النقاط والفضاءات المتسخة، إلى جانب تنظيف بعض الأودية ومحيط الدوار، حيث لم يكن الهدف مقتصرا على إزالة الأوساخ وتحسين المشهد العام، بل امتد ليعكس إحساسا جماعيا بالمسؤولية تجاه البيئة والمجال الذي تحتضنه الساكنة.
وتكتسي المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى الحضور البارز للمرأة القروية فيها، إذ أظهرت المشاركات أن دور المرأة داخل المجتمع المحلي لم يعد محصوراً في الأدوار الأسرية التقليدية، وإنما أصبح يمتد إلى العمل التطوعي والمساهمة في تحسين المحيط والدفاع عن القضايا التي تهم الساكنة.
وبعد انتهاء أشغال التنظيف، يأخذ اليوم طابعا اجتماعيا مختلفا، حيث تتحول أجواء المساء إلى فرصة لتجديد أواصر التواصل وصلة الرحم بين الأسر، من خلال تنظيم مائدة جماعية وإعداد ما يعرف محلياً بالأمازيغية بـ«أسمون»، في تقليد يجسد معاني التعاون والتآزر وتقاسم المسؤولية بين أفراد الدوار.
ولا تقتصر هذه المناسبة على الجانب الاحتفالي، إذ تتحول بدورها إلى فضاء للتشاور وتبادل الآراء بشأن عدد من القضايا التي تشغل الساكنة، حيث يتم طرح الإكراهات والمشاكل المطروحة ومناقشة سبل التعامل معها والبحث عن حلول جماعية، بما يعكس حضور ثقافة الحوار والتعاون في تدبير الشأن المحلي.
وتكتمل أجواء هذا اللقاء بتنظيم رقصة «أحواش»، التي تجمع نساء ورجال الدوار وأبناء المنطقة في لحظة احتفالية تستحضر الموروث الثقافي الأمازيغي، وتمنح للمبادرة بعدا يتجاوز العمل البيئي ليشمل الحفاظ على الذاكرة الجماعية والتقاليد المحلية.
وتقدم تجربة نساء أصديف نموذجا لافتا لكيفية تحويل مبادرة بسيطة إلى محطة متعددة الأبعاد، تجمع بين نظافة المجال، وتقوية الروابط الاجتماعية، والتشاور حول قضايا الساكنة، والاحتفاء بالموروث الثقافي.
كما تبرز هذه المبادرة قدرة المجتمعات القروية والجبلية على إطلاق مشاريع تطوعية بإمكانات محدودة، اعتمادا على الإرادة وروح المسؤولية والعمل المشترك، بعيدا عن انتظار تدخلات خارجية في كل التفاصيل المرتبطة بالحياة اليومية.
وبين أيدي النساء وهي تنظف محيط الدوار، وأفراد الأسر وهم يلتقون حول مائدة جماعية، وأصوات «أحواش» التي تختتم هذا الموعد، تتشكل صورة لمجتمع يحاول الحفاظ على بيئته وتقوية تماسكه الاجتماعي وصون ثقافته، في رسالة مفادها أن خدمة المجال تبدأ أحيانا من مبادرات محلية بسيطة، لكنها قادرة على ترك أثر يتجاوز حدود المكان.






