ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: غار جبيلات واتفاق 1972: عندما تقصف الوثائق الجزائرية رواية اليوم… ماذا وقّعت الجزائر للمغرب؟

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في القضايا التاريخية والسيادية الكبرى، قد تتغير الخطابات السياسية وتتبدل المواقف وتُعاد صياغة الروايات بحسب الظرف والمصلحة، لكن الوثيقة الرسمية تظل أكثر عناداً من الذاكرة الانتقائية. وعندما تكون الوثيقة منشورة في الجريدة الرسمية للدولة التي يراد مناقشة روايتها، فإن الجدال ينتقل من حلبة الشعارات إلى ميدان الأرقام والتواريخ والتوقيعات. وهذا بالضبط ما يكشفه ملف غار جبيلات والاتفاقيات المغربية الجزائرية الموقعة بالرباط في 15 يونيو 1972.
فالرجوع إلى الوثائق الأصلية يبيّن أن ما جرى سنة 1972 لم يكن مجرد تفاهم سياسي عابر، بل جاء ضمن مسار بدأ بمعاهدة إفران في 15 يناير 1969، ثم لقاء تلمسان في 27 مايو 1970، وصولاً إلى التفاهمات التي أفضت إلى توقيع اتفاقيتين أساسيتين في الرباط يوم 15 يونيو 1972: الأولى تتعلق برسم الحدود بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، والثانية تتعلق بالتعاون بين البلدين من أجل تثمين منجم غار جبيلات.
وهنا تبدأ الوثيقة في تفكيك كثير من الخطابات المتداولة اليوم.
ففي العدد 48 من الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الصادر بتاريخ 15 يونيو 1973 نجد الأمر رقم 73-20 المؤرخ في 17 مايو 1973 المتعلق بالتصديق الجزائري على اتفاقية رسم الحدود، وإلى جانبه الأمر رقم 73-21 المؤرخ في التاريخ نفسه والمتعلق بالتصديق على اتفاقية التعاون مع المغرب من أجل تثمين منجم غار جبيلات.
هذه ليست رواية مغربية، ولا تصريحاً سياسياً طارئاً، ولا منشوراً في مواقع التواصل الاجتماعي. إنها وثائق نشرتها الدولة الجزائرية بنفسها في جريدتها الرسمية.
والأمانة التاريخية تقتضي أن نقرأ النص كاملاً لا أن ننتقي منه ما يخدم موقفاً مسبقاً. فديباجة اتفاقية غار جبيلات تشير إلى أن الجزائر تعتبر نفسها مالكة لرواسب الحديد في غار جبيلات الواقعة على ترابها والخاضعة لسيادتها. وهذا معطى صريح لا ينبغي إنكاره أو تحريفه.
لكن المفارقة تبدأ مباشرة بعد ذلك، لأن الاتفاقية نفسها تقر بأن المغرب يتوفر، عبر ترابه، على إمكانات لإجلاء خام غار جبيلات وشحنه بواسطة ميناء مغربي على المحيط الأطلسي. أي أن الجزائر نفسها أدخلت المغرب في قلب المعادلة الاقتصادية واللوجستية للمنجم.
وتنص المادة الأولى من اتفاقية التعاون على إنشاء شركة جزائرية مغربية لتثمين منجم غار جبيلات، وهي ليست مجرد آلية عبور ولا عقد نقل، بل شركة ثنائية وضعت لها الاتفاقية هيكلة واضحة ومهاماً استراتيجية.
أما المادة الثانية فتتحدث عن رقم لا يمكن المرور عليه مرور الكرام: 700 مليون طن من خام الحديد.
فقد كلفت الشركة المشتركة، ضمن ما حددته الاتفاقية، بنقل الخام من المنجم بواسطة السكك الحديدية إلى ميناء الشحن، ثم شحنه وتسويقه، في إطار كمية إجمالية تصل إلى 700 مليون طن.
والرقم هنا ليس تقديراً إعلامياً ولا استنتاجاً مغربياً؛ إنه رقم ورد في وثيقة رسمية صادقت عليها الدولة الجزائرية.
وتذهب المادة الرابعة أبعد من ذلك عندما تضمن الجزائر تسليم الشركة الجزائرية المغربية كمية إجمالية قدرها 700 مليون طن من خام غار جبيلات قبل الإغناء، كما تنص على أن حاجيات الصناعات الحديدية المغربية يمكن تلبيتها عن طريق اقتطاعات من هذه الكمية وفق الشروط المنصوص عليها في الاتفاقية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: إذا كان المغرب، وفق بعض الروايات المعاصرة، لا علاقة له إطلاقاً بغار جبيلات، فلماذا خصصت له الاتفاقية موقعاً مؤسساتياً واقتصادياً بهذا الحجم؟
الجواب موجود في النص.
فالاتفاقية لم تجعل المغرب مالكاً للمنجم، لكنها منحته مكانة أساسية في نموذج استثماره ونقله وتسويقه.
وتنص الاتفاقية كذلك على مدة طويلة للمشروع، إذ حددت للشركة المشتركة فترة 60 سنة لإنجاز مهامها ابتداء من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، وهو ما يثبت أن الأمر لم يكن ترتيبا ظرفيا ولا مجاملة سياسية بين نظامين.
ثم تصل الوثيقة إلى المادة 13، وهي من أقوى مواد الاتفاق كله، إذ تقرر توزيع رأسمال الشركة بنسبة:
50 في المائة لمؤسسة أو مؤسسات عمومية جزائرية، و50 في المائة لمؤسسة أو مؤسسات عمومية مغربية.
أي أن الطرفين اختارا المناصفة.
ليس 90 في المائة مقابل 10.
ولا 75 مقابل 25.
بل 50/50.
كما وضعت الاتفاقية تنظيماً مؤسساتياً يضمن حضوراً متوازناً للطرفين في أجهزة الشركة، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بالمقر والتسيير والتمثيل.
هذه البنود وحدها كافية لإسقاط الرواية التي تحاول تصوير المغرب كطرف غريب تماما عن مشروع غار جبيلات.
فإذا لم تكن للمغرب علاقة بالمشروع، لماذا وافقت الجزائر على شركة مناصفة معه؟
وإذا كان دوره هامشياً، لماذا التزمت بتسليم الشركة المشتركة 700 مليون طن؟
وإذا لم يكن للمغرب موقع صناعي، لماذا نُص على حاجيات صناعاته الحديدية؟
وإذا لم يكن التراب المغربي جزءاً من الهندسة اللوجستية، لماذا ورد الميناء المغربي على المحيط الأطلسي في الاتفاقية؟
وإذا كانت كل هذه مجرد «ادعاءات مغربية»، فلماذا نشرتها الجزائر نفسها في الجريدة الرسمية تحت الأمر رقم 73-21؟
هنا يصبح الرد الأكثر إحراجاً للرواية الدعائية بسيطاً: افتحوا الجريدة الرسمية الجزائرية واقرؤوا ما وقّعته الجزائر.
أما اتفاقية الحدود الموقعة في اليوم نفسه، فقد تضمنت وصفاً دقيقاً لمسار الحدود وأرفقت بـ 15 خريطة اعتبرت جزءاً لا يتجزأ منها. كما نصت المادة السابعة على أن أحكام الاتفاقية تسوي بصورة نهائية قضايا الحدود بين الدولتين.
ودخلت اتفاقية الحدود حيز التنفيذ في 14 مايو 1989 بعد تبادل أدوات التصديق، ثم نُشرت في المغرب بمقتضى الظهير الشريف رقم 1-89-48 بتاريخ 22 يونيو 1992، قبل أن تقوم الجزائر بتسجيلها لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة في 30 يوليو 2002 تحت الرقم 38587.
وهنا يجب التمييز بين اتفاقيتين مختلفتين كثيراً ما يتم خلطهما في النقاش العام: اتفاقية الحدود، واتفاقية التعاون الاقتصادي الخاصة بغار جبيلات.
بالنسبة لاتفاقية الحدود، توجد معطيات واضحة بشأن دخولها حيز التنفيذ وتسجيلها الدولي.
أما اتفاقية غار جبيلات، فالثابت رسمياً أن الجزائر وقعتها وصدقت عليها ونشرتها في جريدتها الرسمية، بينما يظل الحسم القانوني في تاريخ دخولها حيز التنفيذ مرتبطاً بإثبات استكمال إجراءات التصديق وتبادل أدواته كما نص عليه الاتفاق.
وهذا التحفظ القانوني لا يضعف الحجة المغربية، بل يقويها، لأن قوة الوثيقة تكمن في قراءتها كما هي، لا في تحميلها ما لا تحتمل.
فالموقف الأكثر صلابة ليس الادعاء بأن اتفاقية 1972 جعلت غار جبيلات ملكاً مغربياً، لأن النص لا يقول ذلك. والموقف الأكثر صلابة أيضاً هو رفض الادعاء المقابل بأن المغرب لم تكن له أية حقوق أو مصالح تعاقدية في مشروع غار جبيلات، لأن النص نفسه يثبت العكس.
الحقيقة كما تثبتها الوثيقة أكثر تعقيداً وأكثر إحراجاً للدعاية:
الجزائر أقرت بسيادتها على المنجم، لكنها تفاوضت ووقعت وصدقت في الوقت نفسه على نموذج اقتصادي يجعل المغرب شريكاً بنسبة 50 في المائة في الشركة المشتركة المكلفة بتثمين المشروع، ويربط خام غار جبيلات بمنفذ مغربي على المحيط الأطلسي، ويحدد منظومة للتعامل مع كمية تصل إلى 700 مليون طن.
وبعد أكثر من نصف قرن، عادت الجغرافيا لتؤكد لماذا كان ذلك التصور الاقتصادي منطقياً.
ففي سنة 2026 أصبح مشروع غار جبيلات جزءاً من استراتيجية منجمية ولوجستية ضخمة، مع تشغيل الخط الحديدي الذي يربط غار جبيلات وتندوف وبني عباس وبشار على مسافة تناهز 950 كيلومتراً، في إطار نقل الخام ومعالجته وتهيئة البنية اللازمة لتوسيع الاستغلال.
وهذا حق اقتصادي للجزائر وفق وضع المنجم والتزاماتها القانونية، لكنه يطرح سؤالاً تاريخياً بالغ الدلالة: لماذا كان اتفاق 1972 يبحث عن منفذ أطلسي عبر المغرب بدل نقل الخام مئات الكيلومترات داخل الصحراء الجزائرية؟
لأن الجغرافيا الاقتصادية كانت واضحة منذ البداية.
فالثروة الطبيعية لا تكتسب قيمتها بمجرد وجودها تحت الأرض، بل عندما يمكن نقلها ومعالجتها وتسويقها بأقل تكلفة وأقصر مسافة وأفضل مردودية.
وكان المغرب، بموقعه الأطلسي وبنيته اللوجستية الممكنة، جزءاً من الحل الذي قبله الطرفان سنة 1972.
لو كُتب لذلك المشروع أن يرى النور، لكان من الممكن أن ينشأ محور اقتصادي مغاربي ضخم يجمع المنجم والسكك الحديدية والموانئ والصناعة الحديدية والتصدير الدولي، بدل أن تتحول الحدود بين البلدين إلى واحدة من أكثر الحدود المغلقة تكلفة سياسياً واقتصادياً في المنطقة.
لكن السياسة غلبت الاقتصاد.
ومرت أكثر من خمسة عقود.
وتبدلت الأنظمة والظروف والتحالفات.
غير أن الجريدة الرسمية بقيت.
بقي الأمر 73-20.
وبقي الأمر 73-21.
وبقي رقم 700 مليون طن.
وبقيت مدة 60 سنة.
وبقيت نسبة 50% للمغرب و50% للجزائر.
وبقي الميناء المغربي على المحيط الأطلسي داخل نص الاتفاقية.
وبقيت التوقيعات.
ولهذا لا يحتاج المغرب في هذا الملف إلى سب الشعب الجزائري ولا إلى تحويل الخلاف بين الدولتين إلى عداوة بين شعبين.
فالإساءة لا تصنع حجة، والشتيمة لا تلغي مادة من اتفاق دولي.
أما الوثيقة فتفعل ما هو أقوى.
إنها تضع الرواية أمام مرآتها.
وعندما يقال اليوم إن المغرب «لا علاقة له بغار جبيلات»، يكفي أن يكون الرد:
هذه هي الجريدة الرسمية الجزائرية.
وهذا هو الأمر رقم 73-21.
وهذه هي الـ700 مليون طن.
وهذه هي نسبة 50/50.
وهذا هو المنفذ المغربي على المحيط الأطلسي.
ثم يُطرح السؤال الذي لا يحتاج إلى صراخ:
من الذي وقّع ونشر كل ذلك؟
في معارك التاريخ، يمكن للدعاية أن تصنع ضجيجاً كبيراً، لكنها لا تستطيع أن تمحو توقيعاً محفوظاً في الأرشيف.
ولهذا فإن أقوى دفاع عن الحقيقة المغربية لا يكون بالمبالغة، بل بالوثيقة.
ولا يكون بالشعارات، بل بالأرقام.
ولا يكون بالسب، بل بالتاريخ.
غار جبيلات ليست حكاية نرويها اليوم، بل اتفاق موثق منذ 1972.
وحين تصبح الجريدة الرسمية الجزائرية شاهداً على ما وقعته الجزائر للمغرب، فإن أقوى «قصف» للرواية الدعائية لا يأتي من الرباط…
بل من أرشيف الجزائر نفسها.






