الدكتور مولود لغريسي.. كفاءة علمية من كوادر إقليم الرشيدية تضيء مسار الأقسام التحضيرية بالمغرب

في مسار يختزل قيمة العلم والكفاءة والمثابرة، يبرز اسم الدكتور مولود لغريسي باعتباره واحدًا من الكفاءات العلمية والتربوية التي تنحدر من جهة درعة تافيلالت، والتي استطاعت أن تشق طريقها داخل منظومة التربية والتكوين بالمغرب، وصولًا إلى تولي مسؤولية إدارة مركز الأقسام التحضيرية التابع للمديرية الإقليمية بتطوان.

فالدكتور مولود لغريسي، الأستاذ المبرز في التربية والتكوين، والحاصل على الدكتوراه في العلوم الفيزيائية من كلية العلوم بجامعة محمد الخامس بالرباط، راكم تجربة أكاديمية وتدبيرية مهمة، من خلال اشتغاله أستاذًا بالأقسام التحضيرية وتوليه مهام التسيير بعدد من مراكزها عبر مناطق مختلفة من المملكة.

وتكتسي هذه التجربة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها الأقسام التحضيرية للمدارس الكبرى في منظومة التعليم العالي بالمغرب، باعتبارها مسارًا تكوينيًا انتقائيًا يراهن على إعداد نخبة علمية وتقنية قادرة على ولوج المدارس والمعاهد العليا، والمنافسة في المباريات الوطنية والدولية.

الأقسام التحضيرية.. مدرسة للتميز وصناعة الكفاءات

يرى الدكتور مولود لغريسي أن اختيار الأقسام التحضيرية العلمية والتقنية يمثل دخولًا في مسار دراسي صعب ومكثف، لكنه في المقابل يمنح الطلبة تكوينًا متينًا يقوم على منهجية العمل، والتحليل والتركيب، والانضباط الفكري، وهي مقومات تشكل رصيدًا مهمًا لمواصلة الدراسات العليا والاندماج المهني.

وتبرز مكانة هذه الأقسام أيضًا من خلال طبيعة الولوج إليها، الذي يتميز بانتقائية عالية، بما يعكس حجم الطلب على هذا المسار، وأهميته في إعداد المتفوقين وتوجيههم نحو المدارس والمعاهد العليا.

غير أن جودة هذا التكوين، حسب رؤية الدكتور لغريسي، لا ترتبط بالتلميذ وحده، وإنما تقوم كذلك على جودة الأطر التعليمية والإدارية، وعلى قدرتها على مواكبة الإيقاع الأكاديمي المرتفع الذي تفرضه الأقسام التحضيرية.

كفاءات تربوية في مواجهة تحديات التكوين

يؤكد الدكتور لغريسي أن غالبية الأساتذة العاملين بالأقسام التحضيرية يتوفرون على تكوين أكاديمي وبيداغوجي رفيع، إلى جانب حضور أساتذة حاملين لشهادة الدكتوراه، بما يوفر قيمة مضافة على مستوى البحث العلمي والصرامة المنهجية ومواكبة تطور المعارف.

كما يخضع الولوج إلى التدريس بهذه المراكز لمسار انتقائي، يتضمن دراسة ملفات الترشيح وإجراء مقابلات أمام لجان علمية متخصصة، بما يسمح باستقطاب أطر تجمع بين الكفاءة العلمية والقدرة البيداغوجية.

ولا يقتصر دور الأستاذ على تقديم الدروس، بل يمتد إلى التأطير والمواكبة النفسية والإنسانية للتلاميذ، ومساعدتهم على تطوير منهجيات عمل تمكنهم من مواجهة المتطلبات الفكرية والنفسية للمباريات.

وفي المقابل، يضطلع الطاقم الإداري بدور أساسي في توفير بيئة منظمة ومستقرة، من خلال التدبير الإداري والتنظيم اللوجستيكي والتنسيق بين مختلف الفاعلين داخل المؤسسة.

تثمين الأطر.. مدخل أساسي لاستدامة الجودة

من أبرز القضايا التي تستحق النقاش، وفق رؤية الدكتور لغريسي، وضعية الأطر التي تشتغل داخل الأقسام التحضيرية، بالنظر إلى حجم المسؤوليات والإكراهات المرتبطة بهذا النوع من التكوين.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى نظام أساسي خاص ومحفز يراعي طبيعة المهام الموكولة إلى هذه الأطر، ويعزز جاذبية العمل داخل الأقسام التحضيرية، ويساهم في الحفاظ على الكفاءات واستدامة جودة التدريس.

الاستثمار في التجهيزات.. رهان على تكافؤ الفرص

رغم التطور الذي عرفته الأقسام التحضيرية المغربية خلال السنوات الأخيرة على مستوى التجهيزات والموارد اللوجستيكية والتنظيمية، فإن الحاجة إلى مزيد من الاستثمار تظل قائمة.

وقد ساهمت بعض الشراكات مع مؤسسات وطنية، من بينها مؤسسة المكتب الشريف للفوسفاط، إلى جانب هيئات عمومية وخاصة أخرى، في دعم البنيات والتجهيزات والتكوين المستمر للأطر.

غير أن التحدي الأساسي، كما يبرز في المقال، يتمثل في ضمان تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ، خصوصًا وأن طلبة الأقسام التحضيرية العمومية يجدون أنفسهم في نهاية المطاف أمام مباريات الولوج نفسها إلى المدارس والمعاهد العليا للمهندسين، داخل المغرب وخارجه.

لذلك، فإن الاستثمار في المختبرات والتجهيزات العلمية الحديثة، والموارد الرقمية، والبنيات التحتية، وظروف الحياة الطلابية، لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان تكوين متوازن ومتكافئ.

مولود لغريسي.. نموذج لكفاءة أبناء درعة تافيلالت

إن المسار العلمي والمهني للدكتور مولود لغريسي يقدم نموذجًا دالًا على قدرة أبناء جهة درعة تافيلالت على الحضور داخل المؤسسات الوطنية ذات الطابع العلمي والتربوي المتخصص.

فمن التكوين العلمي والبحث الأكاديمي إلى التدريس والتدبير، استطاع أن يراكم تجربة مهنية جعلته يتولى مسؤولية إدارة أحد مراكز الأقسام التحضيرية بتطوان، في مجال يتطلب كفاءة علمية عالية وخبرة تربوية وقدرة على التدبير.

وإذا كانت جهة درعة تافيلالت تزخر بالكفاءات والأطر في مختلف المجالات، فإن إبراز هذه النماذج لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بالأشخاص، وإنما مناسبة للتأكيد على ضرورة الاستثمار في أبناء المنطقة، وربط الكفاءات المحلية بمشاريع التنمية والتكوين والتأطير.

الأقسام التحضيرية.. من التميز إلى تكافؤ الفرص

تاريخ الأقسام التحضيرية بالمغرب يعود إلى عقود، قبل أن يعمل المغرب على بناء منظومة وطنية خاصة بهذا النوع من التكوين، حيث انطلقت التجربة المغربية بثانوية مولاي يوسف بالرباط سنة 1985، قبل أن تتوسع تدريجيًا إلى مدن وجهات أخرى.

واليوم، أصبحت مراكز الأقسام التحضيرية حاضرة في مختلف جهات المملكة، في توجه يعكس إرادة تعميم هذا المسار وتعزيز تكافؤ الفرص أمام التلاميذ المتفوقين.

وتظل الغاية الأساسية من هذه الأقسام هي تعميق المعارف، وتنمية منهجيات البحث، وتعزيز الاستقلالية الفكرية وروح المبادرة، إلى جانب إعداد التلاميذ للمباريات الانتقائية التي تفتح أمامهم أبواب المدارس والمعاهد العليا.

خاتمة

إن تجربة الدكتور مولود لغريسي، بما تختزنه من تكوين علمي وتجربة تربوية ومسؤولية تدبيرية، تشكل نموذجًا من النماذج التي تستحق التعريف والتقدير، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بكفاءات تنحدر من جهة درعة تافيلالت وتؤدي أدوارًا داخل مؤسسات وطنية متخصصة.

وفي المقابل، فإن مستقبل الأقسام التحضيرية بالمغرب يظل رهينًا بمواصلة الاستثمار في الإنسان، وتثمين الأطر، وتطوير التجهيزات والبنيات التحتية والموارد الرقمية، بما يضمن لأبناء المدرسة العمومية شروطًا عادلة للمنافسة والتميز.

فالتميز العلمي لا يصنعه التلميذ وحده، وإنما تصنعه منظومة متكاملة من الأستاذ والإدارة والبنية التحتية والدعم والتوجيه، وهي منظومة تحتاج إلى تعبئة جماعية ومسؤولة من مختلف الفاعلين.

Exit mobile version