شباعتو يغادر الأحرار.. هل كان اهرو أبرو رئيس الجهة المحرك الأول لتهميش إقليم ميدلت ؟

لم يكن قرار مروان شباعتو، النائب البرلماني عن إقليم ميدلت، وضع حد لتجربته داخل حزب التجمع الوطني للأحرار والانتقال إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مجرد تغيير في الانتماء السياسي عشية الاستحقاقات المقبلة. فالقرار، بالنظر إلى موقع صاحبه داخل الخريطة الانتخابية والسياسية بميدلت، يفتح الباب أمام أسئلة أعمق حول علاقة حزب الأحرار بالإقليم، وحول الطريقة التي دبرت بها قضايا ميدلت داخل المؤسسات المنتخبة، وفي مقدمتها مجلس جهة درعة تافيلالت.
شباعتو نفسه قدم لقراره خلفية سياسية تتجاوز الحسابات الشخصية، مؤكدا أن مغادرته الحزب جاءت بعد تراكمات مرتبطة، بحسب روايته، بضعف التفاعل مع عدد من الملفات التي كان يترافع بشأنها لفائدة إقليم ميدلت، وبإحساس متزايد بأن موقع المنتخب لا تكون له قيمة حقيقية إذا لم يكن قادراً على نقل انتظارات المواطنين إلى مؤسسات القرار والدفاع عنها.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: إذا كان برلماني عن ميدلت يقول إنه لم يجد داخل حزبه ما يكفي من الدعم السياسي للترافع عن قضايا الإقليم، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوجه فقط إلى القيادة المركزية لحزب التجمع الوطني للأحرار، وإنما أيضاً إلى القيادة الجهوية للحزب، وإلى رئيس مجلس جهة درعة تافيلالت، أهرو أبرو، الذي يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية سياسية مباشرة عن الطريقة التي تدبر بها الشأن الجهوي، خصوصاً أن الرجل يوجد في قلب القرار المؤسساتي والحزبي بالجهة.
فمجلس جهة درعة تافيلالت ليس مؤسسة هامشية في معادلة التنمية المحلية، بل إحدى أهم الواجهات التي يفترض أن تُترجم من خلالها العدالة المجالية، وأن يتم عبرها الدفاع عن مصالح الأقاليم الخمسة: الرشيدية، ميدلت، تنغير، ورزازات وزاكورة.
لكن حين ننظر إلى تركيبة مكتب المجلس، تظهر مفارقة سياسية تستحق الوقوف عندها. فالرئاسة توجد في يد أهرو أبرو عن إقليم الرشيدية، بينما يتوفر الإقليم نفسه على حضور قوي داخل مكتب المجلس، في حين تتوفر ورزازات وزاكورة، كل واحدة منهما، على نائبين للرئيس، بينما لا تتوفر ميدلت على أي منصب من مناصب نواب الرئيس، ويقتصر حضورها في مكتب المجلس على مهمة كاتب المجلس.
قد يبدو هذا الأمر، من الناحية القانونية، مجرد نتيجة للتحالفات والتوازنات التي أفرزتها الانتخابات الجهوية. لكن من الناحية السياسية، يصعب تجاهل دلالته. فموقع نائب الرئيس يمنح المنتخب حضورا أكبر داخل دوائر تدبير المجلس، وقدرة أكبر على التأثير في ترتيب الأولويات ومتابعة الملفات، بينما تجد ميدلت نفسها، مقارنة بأقاليم أخرى، خارج دائرة نواب الرئيس.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: كيف يمكن لإقليم يشتكي من ضعف الاهتمام والترافع أن يمتلك في الوقت نفسه أضعف حضور سياسي داخل مكتب المؤسسة الجهوية التي يفترض أن تكون إحدى أهم أدوات الدفاع عن مصالحه؟
المسألة لا تتعلق فقط بالمناصب. فالمناصب في النهاية وسيلة وليست غاية. لكن غياب ميدلت عن موقع نائب الرئيس يصبح ذا دلالة حين يوضع إلى جانب حجم المطالب التنموية للإقليم، وحين تتم مقارنة ذلك مع القوة السياسية التي تتوفر عليها أقاليم أخرى داخل المكتب.
والأكثر أهمية أن الحديث عن تهميش ميدلت لا يمكن أن يبقى مجرد انطباع سياسي أو خطاب انتخابي. فالجهة أطلقت خلال السنوات الماضية عدداً كبيراً من المشاريع والبرامج في مختلف أقاليمها، سواء في الطرق والماء والتطهير والسياحة والصحة أو في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
فخلال سنة 2025، مثلا، التزمت الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بحوالي 1.1 مليار درهم في إطار برنامج الطرق، لبناء 680 كيلومتراً من الطرق، كما التزمت بحوالي 183 مليون درهم لإنجاز 43 مشروعاً في قطاع الماء، إضافة إلى برامج للواحات وملاعب القرب.
لكن السؤال الذي يهم ساكنة ميدلت ليس فقط: هل استفاد الإقليم من المشاريع؟ بل: ما هو حجم استفادته مقارنة بباقي أقاليم الجهة؟ وما هي المشاريع التي أعطيت لها الأولوية؟ وما هي المشاريع التي ظلت تنتظر؟ وما هو مستوى تنفيذ المشاريع المبرمجة؟
وهذه المقارنة هي التي يمكن أن تنقل النقاش من المزايدات السياسية إلى لغة الأرقام.
ففي الرشيدية، برزت مشاريع مرتبطة بالبنية التحتية والجاذبية المجالية والاستثمار، كما تم إدراج برامج تتعلق بالمنطقة الصناعية تاردة ومدينة الابتكار وغيرها من الأوراش. وفي ورزازات، نجد برامج مرتبطة بالطرق والإنارة والتطهير والنقل الطبي والسياحة وحماية الواحات. وفي زاكورة، صادق المجلس على برامج مرتبطة بتحسين جاذبية المدينة وبعض المراكز الصاعدة وتأهيل الواحات ومشاريع أخرى.
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل تحصل ميدلت على ما يتناسب مع حاجياتها ومؤهلاتها، أم أن الإقليم ظل في كثير من الأحيان يكتفي بما يأتيه في إطار البرامج العامة، دون أن تكون له قوة سياسية كافية لفرض مشاريع نوعية خاصة به؟
وهذه النقطة بالذات تعيدنا إلى مسؤولية رئيس الجهة.
فأهرو أبرو لا يوجد فقط على رأس مجلس الجهة، وإنما يرتبط اسمه أيضا بتدبير المشهد السياسي والتنظيمي لحزب التجمع الوطني للأحرار على المستوى الجهوي، وهو ما يجعل هامش مسؤوليته السياسية أوسع من مجرد مسؤوليته كرئيس لمجلس منتخب.
فإذا كانت ميدلت تشعر، كما عبر عن ذلك شباعتو، بأن ملفاتها لم تجد التفاعل الكافي داخل الحزب، وإذا كان منتخبوها لا يتوفرون على أي منصب من مناصب نواب الرئيس داخل مكتب الجهة، وإذا كان الإقليم يجد نفسه في حاجة مستمرة إلى الترافع من أجل مشاريع تنموية كبرى، فإن السؤال الطبيعي يصبح: أين كانت القيادة الجهوية للحزب؟
هل استطاعت أن تضمن لميدلت موقعا يتناسب مع وزنها الانتخابي وحاجياتها التنموية؟ وهل نجحت في جعل الإقليم شريكا فعلياً في صناعة القرار الجهوي، أم أن التوازنات السياسية جعلت مركز الثقل يميل بشكل واضح نحو الرشيدية، مع حضور قوي أيضاً لورزازات وزاكورة داخل مكتب المجلس؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحا في ظل التطورات الأخيرة، خصوصا مع التحرك الذي أعقب مغادرة شباعتو للحزب، والحديث عن انتقال القيادة الحزبية الجهوية إلى ميدلت للقاء المرشح الجديد للأحرار.
وإذا تأكدت هذه المعطيات، فإن المفارقة السياسية تبدو واضحة: حين يتعلق الأمر بالحفاظ على المقعد الانتخابي في ميدلت، تتحرك القيادة بسرعة؛ وحين يتعلق الأمر بإقناع أحد أبرز منتخبي الإقليم بأن حزبه قادر فعلاً على الدفاع عن مصالح ميدلت، يبدو أن المسافة كانت أكبر.
وهنا لا يتعلق الأمر بموقف شخصي من هذا الطرف أو ذاك، وإنما بسؤال جوهري حول وظيفة الأحزاب في الجهات والأقاليم: هل تظهر القيادة فقط عندما تقترب الانتخابات، أم أنها تكون حاضرة بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بالملفات التنموية اليومية؟
هذا لا يعفي رئيس الجهة من المساءلة السياسية، فالرجل يقود مؤسسة جهوية يفترض أن تكون عنواناً للعدالة المجالية، ويشارك حزبه في قيادة المشهد السياسي بالجهة، وبالتالي فإن من حق الرأي العام الميدلتي أن يسأله: ماذا قدمتم لميدلت؟ كم بلغت قيمة المشاريع التي استفاد منها الإقليم مقارنة بباقي أقاليم الجهة؟ ما هي المشاريع التي تعطلت؟ وما هي المشاريع التي لم تُدرج أصلاً رغم حاجة الإقليم إليها؟ ولماذا لم يحصل منتخبو ميدلت على أي منصب من مناصب نواب الرئيس داخل مكتب المجلس؟
هذه ليست أسئلة عدائية، وإنما أسئلة مشروعة في الديمقراطية المحلية. والأهم من ذلك أن الجواب عنها لا ينبغي أن يكون ببلاغ حزبي أو تصريح انتخابي، وإنما بالأرقام والوثائق ونسب الإنجاز.
فإذا كانت ميدلت قد استفادت فعلا من نصيب عادل من المشاريع، فالأرقام كفيلة بإسقاط تهمة التهميش. وإذا كانت استفادتها أقل من حاجياتها ومن حصص باقي أقاليم الجهة، فإن المسؤولية السياسية تصبح أمرا يستحق النقاش والمساءلة.
أما أن تبقى ميدلت حاضرة بقوة في صناديق الاقتراع، بينما يظل حضورها محدودا في مراكز القرار الجهوي، فذلك هو الخلل الذي ينبغي أن يفتح حوله النقاش الحقيقي.
وفي هذا السياق، قد لا يكون انتقال مروان شباعتو من الأحرار إلى الأصالة والمعاصرة مجرد قصة تغيير لون حزبي، بل ربما يكون رسالة سياسية من داخل إقليم ميدلت نفسه: أن المنتخب المحلي لا يستطيع أن يظل طويلا يدافع عن حزب لا يشعر، بحسب روايته، بأنه يدافع بالقدر نفسه عن الإقليم الذي يمثله.
ومن هنا، فإن المسؤولية السياسية اليوم لا تقع على شباعتو وحده، ولا على حزب الأحرار وحده، وإنما تمتد إلى كل من شارك في صناعة القرار الجهوي خلال السنوات الماضية.
ويبقى السؤال الأكبر موجها إلى رئيس الجهة، أهرو أبرو:
هل كانت ميدلت فعلا في قلب أجندة مجلس جهة درعة تافيلالت، أم أنها كانت حاضرة بقوة حين يتعلق الأمر بالانتخابات، وغائبة نسبياً حين يتعلق الأمر بصناعة القرار؟
الجواب لن تحدده الخطب ولا البيانات، وإنما ستحدده المشاريع، والاعتمادات، ونسب الإنجاز، ومواقع المنتخبين، وما تحقق فعلاً على أرض ميدلت.
وهذه، في النهاية، هي المحاسبة التي تنتظرها ساكنة الإقليم.






