
محمد السلمي
لعل أكثر ما يحز في النفس في المشهد السياحي بجهة درعة تافيلالت أن مدينة الرشيدية توجد في قلب واحدة من أغنى المناطق المغربية بالمؤهلات الطبيعية والتاريخية والثقافية، وتوجد في الوقت نفسه على هامش الخريطة السياحية التي يصنعها السائح لنفسه قبل أن يحزم حقيبته …
الرشيدية هي المدينة التي يعبرها المسافر في اتجاه مرزوكة، والمدينة التي يمكن أن ينطلق منها نحو الريصاني وأرفود والواحات والقصور، والمدينة التي يحتضن مجالها وادي زيز وسلاسل جبلية وواحات وموروثا تاريخيا عريقا، ومع ذلك يبقى المبيت فيها، بالنسبة إلى عدد مهم من الزوار، مرتبطا بظروف الرحلة وبرنامجها أكثر مما يرتبط برغبة حقيقية في اكتشاف المدينة وقضاء وقت فيها. فينزل السائح أحيانا مضطرا لأن موعد الطائرة يفرض عليه ذلك، أو لأن المسافة بين محطة وأخرى تقتضي ليلة راحة، أو لأن برنامج الجولة رتّب له ليلة في المدينة، ثم يغادر في الصباح الباكر قبل أن تبدأ الرشيدية في تقديم نفسها إليه.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم لا يتعلق بعدد الفنادق التي توجد في الرشيدية، ولا بعدد الأسرة التي يمكن أن تستقبلها، ولا بعدد المطاعم والمقاهي التي يمكن أن تقدم للسائح وجبة أو قهوة، السؤال الواجب طرحه وبقوة : ما الذي يجعل السائح يقرر من تلقاء نفسه أن يقضي في الرشيدية يومين أو ثلاثة؟
خلال سنة 2025، سجلت المؤسسات المصنفة بجهة درعة تافيلالت 1,975,757 وافدا و2,356,993 ليلة مبيت، بمتوسط إقامة بلغ 1.2 ليلة، فيما بلغت الطاقة الإجمالية لمؤسسات الإيواء السياحي بالجهة 40,761 سريرا موزعة على 1,294 مؤسسة، وبلغ متوسط نسبة الملء حوالي 42 في المائة (المصدر: معطيات إحصائية جُمعت بتنسيق بين وزارة الداخلية والمندوبية الجهوية للسياحة بالرشيدية والمجلس الإقليمي للسياحة بالرشيدية والجمعية الجهوية للصناعة الفندقية بدرعة تافيلالت، كما أوردتها جريدة هسبريس في 27 يناير 2026).
تكتسب هذه الأرقام دلالتها حين نضعها أمام سؤال مدة الإقامة؛ فعدد الوافدين والليالي يعكس وجود حركة سياحية مهمة في الجهة، بينما يكشف متوسط 1.2 ليلة عن تحد قائم يتعلق بقدرة المجال على تحويل المرور إلى إقامة أطول وتجربة أعمق وهذا ماتؤكده معطيات أخرى منشورة حول العرض السياحي الجهوي.
إذا انتقلنا من الجهة إلى الرشيدية، سنجد أن الصورة تصبح أكثر دلالة، لأن المدينة تستطيع أن تستفيد من الحركة السياحية المتجهة إلى عمق تافيلالت والصحراء، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في تحويل هذا التدفق إلى إقامة مستقلة تستند إلى منتوج سياحي خاص بها، وهنا بالضبط تكمن المسافة الفاصلة بين مدينة توجد داخل مسار سياحي ومدينة تصبح هي نفسها سببا في اختيار ذلك المسار.
ولذلك فإن المبيت بالرشيدية كثيرا ما يأتي باعتباره حلا لوجستكيا أكثر من كونه اختيارا سياحيا، فالسائح الذي يصل في المساء بعد رحلة طويلة قد يبيت ليلة، والسائح الذي لديه رحلة جوية في اليوم التالي قد يفضل قضاء ليلته بالقرب من المطار، ومجموعة سياحية قد تجد أن توزيع المسافات بين مراكش ومرزوكة أو بين فاس والصحراء يفرض عليها التوقف، لكن السؤال الذي يجب أن يقلقنا هو ماذا سيحدث لو اختفت هذه الضرورات اللوجستيكية من البرنامج؟ هل سيختار السائح الرشيدية لأنها تقدم له تجربة تستحق يومين إضافيين؟ أم سيكتفي بالمرور نحو المكان الذي يعرف مسبقا لماذا يريد زيارته؟
هنا ينبغي أن ننتبه إلى خطأ شائع في التفكير السياحي، وهو الاعتقاد بأن زيادة الطاقة الفندقية تعني بالضرورة زيادة جاذبية المدينة، العلاقة أكثر تعقيدا من ذلك الفندق الذي يستطيع أن يستقبل الطلب السياحي عندما يكون الطلب موجودا، لكنه يحتاج إلى منظومة من الأنشطة والمواقع والتجارب حتى يصنع سببا جديدا للطلب، ولذلك يمكن أن نبني غرفا جديدة ونرفع عدد الأسرة، ثم نجد أنفسنا أمام منشآت تنتظر السائح الذي لم نخلق له سببا كافيا للمجيء.
السائح عندما يفتح خريطة المغرب لا يبحث في البداية عن عدد الأسرة المتوفرة في الرشيدية، وإنما يبحث عن شيء يستطيع أن يراه أو يعيشه أو يتذكره، ولذلك أصبح اسم مرزوكة مرتبطا في المخيلة السياحية بالكثبان والرمال ومخيمات الصحراء وشروق الشمس، وأصبح اسم ورزازات يحيل على القصبات والسينما والمناظر الطبيعية ومواقع التصوير، وأصبحت أرفود مرتبطة بالتمور والأحافير وبموقعها داخل المسار المؤدي إلى الصحراء، فيما تحمل الريصاني ثقل سجلماسة وتاريخ تافيلالت والأسواق والقصور والذاكرة التجارية والحضارية للمنطقة، كما استطاعت تنغير أن تجعل من مضايق تودغى والواحات والمناظر الجبلية جزءا واضحا من صورتها السياحية، فيما ارتبط اسم زاكورة بدرعة والواحات والنخيل والقصبات والرحلات الصحراوية.
أما الرشيدية، فعندما نسأل عن الصورة التي تستقر في ذهن السائح عنها، نجد أنفسنا أمام عناصر كثيرة ومتناثرة: وادي زيز، الواحات، النخيل، القصبات، القصور، التاريخ، الماء، الجبال، تافيلالت، الثقافة المحلية، المطبخ… ثم الطريق نحو الصحراء وكلها عناصر ذات قيمة، لكنها تحتاج إلى عملية تركيب ذكية حتى تتحول من موارد موجودة في المجال إلى هوية سياحية واضحة يستطيع السائح فهمها وتذكرها.
ومن هنا فإن الرشيدية تحتاج قبل كل شيء إلى أن تجيب عن سؤال هويتها السياحية،فالمدينة التي لا تعرف ماذا تريد أن تكون في عين الزائر ستترك للسائح مهمة تعريفها بنفسه!! وغالبا ما سيختار التعريف الأسهل، أي أنها محطة في الطريق إلى وجهة أخرى.
مدينة الرشيدية توجد فعلا داخل مسارات سياحية وطنية تربط بين الأطلس والصحراء والواحات، وهو ما يجعل التحدي الحقيقي مرتبطا بقدرة المدينة على تحويل موقعها داخل المسار إلى سبب مستقل للزيارة،
الحديث عن قابلية الرشيدية للتحول إلى وجهة سياحية يقودنا بالضرورة إلى مسألة أخرى كثيرا ما يجري التعامل معها باعتبارها موضوعا تقنيا منفصلا عن السياحة، وهي النقل الجوي ذلك ان مطار مولاي علي الشريف يمثل في هذا السياق ورقة مهمة جدا بالنسبة إلى الرشيدية.فوجوده يمنح المدينة إمكانية استقبال زوار من أسواق بعيدة خلال وقت قصير، لكن فعالية هذه الورقة ترتبط بانتظام الرحلات وتوقيتها وأسعارها والربط بينها وبين برامج الفنادق والجولات، لذلك فإن الدفاع عن النقل الجوي ينبغي أن يسير بالتوازي مع بناء منتوج سياحي قادر على استثمار كل رحلة جوية تصل إلى المدينة.
ومن الناحية السياحية البحتة، يمكن تصور الفرق الذي سيحدثه ربط جوي أكثر انتظاما بين الرشيدية ومراكز الانطلاق الكبرى. فالسائح القادم من الدار البيضاء أو أوروبا يستطيع في هذه الحالة أن يصل إلى الرشيدية في بداية رحلته، يقضي فيها ليلتين، ثم ينطلق عبر برنامج منظم نحو الريصاني وأرفود ومرزوكة، أو العكس. وهنا تتحول الطائرة من وسيلة نقل إلى أداة لإعادة رسم الخريطة السياحية نفسها.
لكن النقل الجوي، مهما تحسن، سيظل بحاجة إلى منتوج يستحق أن يأتي الناس من أجله، لأن الطائرة تستطيع أن تجلب السائح بسرعة، بينما قرار البقاء تصنعه التجربة التي يجدها أمامه.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية: ماذا يمكن أن تفعل الرشيدية فعليا؟
من وجهة نظري يمكن التفكير في منتوج سياحي موحد بين الرشيدية والريصاني وأرفود ومرزوكة وتنغير وزاكورة وورزازات، بحيث لا تكون كل مدينة جزيرة منفصلة، يمكن مثلا بناء مسارات موضوعاتية على مستوى الجنوب الشرقي: مسار الواحات، مسار القصور، مسار الماء، مسار الصحراء، مسار السينما، مسار سجلماسة، ومسار درعة وتودغى. عندها يصبح اختلاف المدن نقطة قوة، لأن السائح يستطيع أن ينتقل من تجربة إلى أخرى دون أن يشعر بأنه يكرر المشهد نفسه.
الرشيدية في هذا التصور يمكن أن تقدم نفسها باعتبارها بوابة لفهم الواحة وتاريخ تافيلالت والماء، فيما تحتفظ مرزوكة بصورة الصحراء والكثبان، وتقدم أرفود التمور والأحافير، وتحمل الريصاني ذاكرة سجلماسة، وتمنح تنغير تجربة الجبل والوادي ومضايق تودغى، وتقدم زاكورة عالم درعة وقصباتها وواحاتها، بينما تحتفظ ورزازات بموقعها المرتبط بالقصبات والسينما والمناظر الطبيعية…
وهكذا يتحول الطريق بين هذه المدن من مسافة تفصل الوجهات إلى مسار سياحي يجمعها، ويتحول تنوع الجنوب الشرقي إلى منتوج متكامل يمكن تسويقه على أساس التجربة لا على أساس الحدود الإدارية.
لكن نجاح هذه المشاريع يحتاج إلى طريقة جديدة في التدبير أيضا، فالمدينة تستطيع أن تبدأ بمشروع تجريبي واحد بدل انتظار مخطط ضخم يغطي كل شيء دفعة واحدة، يمكن اختيار مسار واحة واحد، وتأهيل نقطة استقبال واحدة، وتجهيز متحف صغير، وإطلاق منصة رقمية، ثم قياس عدد الزوار ومدة الإقامة والمداخيل التي استفادت منها الساكنة، إذا نجحت التجربة يمكن توسيعها تدريجيا.
هذه المقاربة مهمة لأن السياحة تحتاج إلى نتائج قابلة للقياس، كم عدد السياح الذين دخلوا المسار؟ كم ليلة إضافية قضوا في المدينة؟ كم مرشدا اشتغل؟ كم حرفيا استفاد؟ كم منتجا محليا بيع؟ وكم سائحا عاد إلى بلده وهو يحمل قصة عن الرشيدية؟ هذه المؤشرات هي التي يمكن أن تخبرنا إن كانت المدينة تتقدم فعلا نحو صناعة وجهة سياحية.
والأهم من ذلك كله أن الساكنة المحلية ينبغي أن تكون جزءا من هذه المعادلة فالمدينة السياحية التي يعيش سكانها خارج الدورة الاقتصادية للسياحة ستظل محدودة الأثر مهما ارتفع عدد الزوار. لذلك فإن إشراك التعاونيات والحرفيين والفلاحين والشباب وأصحاب المطاعم ووسائل النقل والمرشدين في تصميم التجارب السياحية يمكن أن يجعل جزءا أكبر من الإنفاق السياحي يبقى داخل الاقتصاد المحلي.
عندها فقط يمكن أن يصبح الفندق نقطة داخل منظومة أوسع حينئذ يمكن للسائح أن يصل بالطائرة، وينزل في الفندق، ثم يخرج في جولة داخل الواحة، ويتناول عشاء محليا، ويزور فضاء ثقافيا، ويشتري منتجا من تعاونية، ويقضي صباح اليوم التالي في مسار تاريخي، ثم يتجه نحو الريصاني وأرفود ومرزوكة وهكذا تصبح كل ليلة إضافية قيمة اقتصادية حقيقية للمدينة.
وبالنهاية، فإن السؤال المطروح على الرشيدية اليوم لا يتعلق بقدرتها على استقبال السائح، فهي تملك الفنادق ووسائل النقل والمطار ومؤهلات طبيعية وتاريخية مهمة، السؤال يتعلق بقدرتها على إعطاء السائح سببا واضحا حتى يأتي ويقرر البقاء.
فالوجهة السياحية لا تولد من الفندق وحده، ولا من المطار وحده، ولا من الواحة وحدها، ولا من التاريخ وحده لكنها تولد عندما تلتقي هذه العناصر داخل تجربة واحدة يفهمها السائح ويستطيع حجزها ويستطيع الحديث عنها بعد مغادرته.
وجملة القول ان المدينة تحتاج إلى أن تنتقل من مرحلة عرض المؤهلات إلى مرحلة صناعة المنتجات، ومن انتظار السائح العابر إلى بناء السائح المقيم، ومن كونها محطة في برنامج الآخرين إلى امتلاك برنامج يجعلها هي نقطة البداية.
فالسائح الذي يبيت في الرشيدية لأن موعد طائرته في الصباح سيغادرها وهو يفكر في الطائرة.، أما السائح الذي يبيت فيها لأنه وجد مسارا يستحق التجربة ومتحفا يستحق الزيارة وواحة تستحق الاكتشاف وحكاية تستحق أن تروى، فسيغادرها وهو يفكر في الرشيدية.
وهنا تحديدا يكمن الفرق بين مدينة توفر سريرا للسائح ومدينة توفر له سببا كي يبقى.