ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: مجلس جهة درعة تافيلالت.. حين تتكاثر اجتماعات اللجان ويبقى السؤال: أين أثرها في حياة المواطن؟

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

اجتمعت لجنة الشراكة والتعاون والعلاقات الخارجية بمجلس جهة درعة تافيلالت يوم الجمعة 25 شتنبر 2026، في إطار التحضير للدورة العادية لشهر أكتوبر، لمناقشة مجموعة من مشاريع الاتفاقيات المرتبطة بالرياضة والشباب، والابتكار والتحول الرقمي، والتراث والصناعة التقليدية، والبحث العلمي والتكوين، فضلاً عن التعاون المؤسساتي. وهي، على الورق، عناوين كبيرة تمس بالفعل مستقبل جهة تحتاج إلى الاستثمار وفرص الشغل وتأهيل الشباب وتحسين جاذبيتها الاقتصادية والاجتماعية.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: كم اجتماعاً عقد المجلس؟ وكم اتفاقية درستها اللجان؟ بل: كم مشروعاً خرج فعلياً من قاعات الاجتماعات إلى أرض الواقع؟ وكم اتفاقية تحولت إلى خدمة أو طريق أو فرصة عمل أو استثمار يستفيد منه المواطن؟

فمجلس الجهة نفسه عقد في 14 شتنبر 2026 اجتماع مكتبه للتحضير لدورة أكتوبر وإعداد جدول أعمالها، وفق ما نشره الموقع الرسمي للمجلس.  وليست لجنة الشراكة حالة منفردة؛ فالعمل الداخلي للمجلس يقوم على شبكة من اللجان الدائمة، من بينها لجنة الميزانية والشؤون المالية والبرمجة، ولجنة إعداد التراب والبيئة، ولجنة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولجنة القطاعات الإنتاجية والنقل، ولجنة تنمية الواحات والمناطق القروية والجبلية، ولجنة التكوين وإنعاش الشغل، إلى جانب لجنة الشراكة والتعاون والعلاقات الخارجية. ويعرض الموقع الرسمي للمجلس رؤساء عدد من هذه اللجان وتركيبتها المؤسساتية.

وقد شهد التحضير لدورة يوليوز 2026 نموذجاً واضحاً لهذه الدينامية، إذ اجتمعت لجنة الميزانية والشؤون المالية والبرمجة ولجنة إعداد التراب والبيئة يوم 24 يونيو، ثم اجتمعت لجنة تنمية الواحات والمناطق القروية والجبلية ولجنة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يوم 25 يونيو.  وانتهت تلك التحضيرات إلى دورة يوليوز المنعقدة في 6 يوليوز 2026، والتي تضمن جدول أعمالها 56 نقطة موزعة على سبعة محاور شملت البنيات التحتية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئة والتكوين والتعليم العالي والثقافة والرياضة والخدمات الأساسية.

56 نقطة في دورة واحدة رقم مهم، لكنه لا يصبح إنجازاً لمجرد المصادقة عليه. الإنجاز الحقيقي يبدأ بعد التصويت: الالتزام المالي، التأشير عند الاقتضاء، إطلاق الصفقات، انطلاق الأشغال، احترام الآجال، ثم التسليم وقياس النتائج.

وهنا تبرز إشكالية تستحق أكثر من مجرد بلاغ تواصلي. ففي 25 شتنبر 2026 أثير إعلامياً أن عدداً من الاتفاقيات التي سبق أن صادق عليها المجلس خلال دورة يوليوز عادت من جديد إلى جدول أعمال دورة أكتوبر، وهو ما يفتح سؤالاً مشروعاً حول أسباب إعادة عرض ملفات سبق التداول فيها، ومراحل تنفيذها، وما إذا كانت قد واجهت ملاحظات إدارية أو تعديلات حالت دون دخولها حيز التنفيذ.

والمفارقة أن هذه ليست أول مرة يعرف فيها المجلس إعادة النظر في مقررات سابقة. ففي اجتماع لجنة إعداد التراب والبيئة بتاريخ 16 فبراير 2026، تمت دراسة اتفاقيات جديدة بالتوازي مع إلغاء مقررات سبق اتخاذها في يوليوز 2024 ومارس 2025، من بينها ملفات مرتبطة بالماء الصالح للشرب والتطهير السائل وتحسين جاذبية بعض المراكز.  وهذا أمر قد تكون له مبررات قانونية أو تقنية أو مالية، لكنه يجعل من الضروري أن يعرف المواطن بوضوح: لماذا تلغى بعض المقررات؟ وما الذي تغير؟ ومن المسؤول عن التأخر؟ وكم من الوقت ضاع بين المصادقة الأولى والمصادقة الجديدة؟

لذلك فإن انتقاد اجتماعات اللجان لا ينبغي أن يكون اعتراضاً على وجودها، فهي جزء ضروري من البناء المؤسساتي للجهة، وإنما على تحول الاجتماع إلى غاية في حد ذاته إذا لم يكن مصحوباً بتتبع صارم للمخرجات. اللجنة ليست مكاناً لالتقاط الصور وإصدار بلاغ ينتهي بعبارة «تمت دراسة مختلف النقط»، بل فضاء يفترض أن يسأل عن مؤشرات الإنجاز، نسب التنفيذ، المبالغ الملتزم بها والمؤداة، أسباب التأخر، والمسؤول عن كل تعثر.

وحتى في مسألة التعويضات ينبغي اعتماد الدقة. فالمادة 55 من القانون التنظيمي رقم 111.14 تنص على تعويضات عن التمثيل والتنقل بالنسبة لفئات محددة داخل المجلس، بينما يستفيد باقي الأعضاء من تعويضات عن التنقل وفق الشروط القانونية، وحدد المرسوم رقم 2.16.495 شروط ومقادير هذه التعويضات. لذلك فالمشكل الحقيقي ليس إطلاق عبارة عامة من قبيل «تعويض عن الحضور»، وإنما طرح سؤال أكثر جدية: ما الكلفة الإجمالية للتسيير والتمثيل والتنقل والاجتماعات، وما المردودية التنموية المقابلة لها؟

ودرعة تافيلالت لا تحتاج إلى مزيد من العناوين بقدر ما تحتاج إلى النتائج. فالساكنة في الرشيدية وميدلت وتنغير وورزازات وزاكورة تنتظر الماء، والطرق، وفك العزلة، والتطهير، وفرص الاستثمار والتشغيل، وتثمين الواحات والسياحة والصناعة التقليدية. ولذلك تصبح قيمة أي لجنة مرتبطة بما تنتجه على الأرض، لا بعدد الاجتماعات التي تعقدها.

ومن هنا يصبح من حق الرأي العام الجهوي أن يطالب بنشر لوحة قيادة واضحة بعد كل دورة: الاتفاقيات المصادق عليها، الكلفة المالية لكل مشروع، حصة مجلس الجهة، تاريخ الانطلاق المتوقع، نسبة الإنجاز، الاعتمادات المؤداة، أسباب التعثر، والتاريخ المتوقع للتسليم. بهذه الأرقام وحدها يمكن الانتقال من بلاغات تصف الاجتماعات إلى حكامة تسمح فعلاً بقياس الأداء.

إن اجتماع لجنة الشراكة والتعاون والعلاقات الخارجية يوم 25 شتنبر 2026، وباقي اجتماعات اللجان التي تسبقه أو تلحقه استعداداً لدورة أكتوبر، لن تكون لها قيمة حقيقية في نظر المواطن إلا عندما يستطيع أن يرى العلاقة بين ساعة الاجتماع ودرهم الميزانية والمشروع المنجز.

أما أن تتوالى اللجان، ثم الدورات، ثم الاتفاقيات، ثم تعود بعض الاتفاقيات نفسها مرة أخرى إلى الطاولة، فذلك يجعل السؤال مشروعاً وقاسياً في الوقت نفسه:

هل مجلس جهة درعة تافيلالت يدير مشاريع التنمية، أم يدير دورة متواصلة من الاجتماعات والمصادقات وإعادة المصادقات؟

الجواب لا ينبغي أن يكون ببلاغ جديد…

بل بالأرقام، ونسب الإنجاز، والمشاريع التي وصلت فعلاً إلى المواطن.

↑
Exit mobile version